ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علىَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال يبني وبينهم) [1] ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فمن بدل أو أبتدع في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض، المبتعدين منه المسودى الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين وتنكب سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلا لها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون ومبتدعون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيع والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية والخبر كما بينا.
وقوله تعالى (وأما الذين أبيضت وجوههم) هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاء بعهده (ففي رحمة الله هم فيها خالدون) أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون، جعلنا الله منهم وجنبنا طرق البدع والضلالات، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات واعتصموا بحبله المتين وقرأنه القويم اللهم آمين. [2]
وقد بين لنا ربنا تبارك وتعالى أن ما أمرنا به من الاعتصام بكتابه وبجماعة المسلمين وعدم التفرق في الدين هو عين ما أمر به جميعَ المرسلين، قال تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [3] ، يقول تعالى ذكره (شرع لكم) ربكم أيها الناس (من الدين ما وصى به نوحا) أن يعمله (والذي أوحينا إليك) أي لنبيه محمد وشرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك يا محمد فأمرناك به وما وصينا به إبراهيم وموسى (أن أقيموا الدين) ومعلوم أن الذي أوصى به جميع هؤلاء الأنبياء وصية واحدة وهي: إقامة الدين الحق وعدم التفرق فيه.
قوله تعالى (أن أقيموا الدين) أي اعملوا به على ما شرع لكم وفرض، وعن السدي قال: اعملوا به، وقوله (ولا تتفرقوا فيه) أي ولا تختلفوا في الدين الذي أمرتم بالقيام به كما اختلف الأحزاب من قبلكم، فعن قتادة في قوله (ولا تتفرقوا فيه) قال: تعلموا أن الفرقة هلكة وأن الجماعة رحمة، وقوله تعالى (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) أي كبر على المشركين بالله ما تدعونهم إليه من إخلاص العبادة لله وإفراده بالألوهية والبراءة مما سواه من الآلهة
(1) رواه البخاري والحديث مروي عن أبي سعيد الخدرى رضي الله عنه بزيادة (فأقول إنهم منى فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا سحقا) وعند البخاري أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يرد على الحوض يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري)
(2) راجع في تفسير هذه الآيات: تفسير الطبري ج4/ 31: 34، تفسير القرطبي ج4/ 159وما بعدها، تفسير ابن كثير ج1/ 391، زاد المسير لابن الجوزي ج1/ 432ـ433.
(3) سورة الشورى، الآية: 13.