يغلب ماذا؟ يغلب المعنى المرجوح فيُصَيره راجحًا، يعني: تصير القضية عكسية، فالأصل عندنا في اللفظ من حيث اللغة له راجحٌ ومرجوح، حينئذٍ يأتي الدليل يجعل المرجوح راجحًا والراجح مرجوحًا، وهذا بدليلٍ شرعي لا بأس به، (يغلّبه) ، أي: أن الدليل جعل المعنى المرجوح للظاهر أغلب على الظن من المعنى الراجح فصار هذا المعنى المرجوح بسبب الدليل راجحًا، وذكر المصنف هنا ثلاثة أنواع للدليل وهو لا يختص فيما ذكر بل المراد الدليل الشرعي فحسب، (لقرينة) ، يعني: صار هذا المعنى المرجوح لقرينةٍ في الحديث أو في اللفظ صَيَّرت هذا المرجوح راجحًا، وذلك مثل ماذا؟ القرينة، قالوا: كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» . اختلف أهل العلم في مفهوم هذا الحديث هل يَحْرم العودة في الهبة أو لا؟ هنا نقول: ثمّ قرينة تدل على أن المراد به التحريم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في أول الحديث: «ليس لنا مثل السوءِ» . هذه قرينة تجعل أن اللفظ محمولٌ على معناه دون الراجح، لأن قوله: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» . الكلب غير مكلف ولا يحرم عليه هذا الفعل، ونحن نقول: يحرم على من شبهه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكلب، إذًا مباح له يجوز له الرجوع في الهبة هذا ظاهر اللفظ، صح أو لا؟ ظاهر اللفظ هو هذا: ... «العائد في هبته كالكلب» . إذًا الكلب غير مكلف إذًا لا بأس أن تعود في هبتك هذا ظاهر اللفظ، لكن ليس هذا المراد بأول النص، (أو ظاهر آخرٍ) ، يعني: ظاهرٍ آخرَ ممنوعٌ من الصرف كقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] {الْمَيْتَةُ} اسمٌ للميتة بظاهرها أو باطنها، فدخل فيه الجلد، وجاءت نصوص أخرى بظاهرها تدل على أن الجلد مستثنى من قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ، «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» . هذا الظاهر صرف الظاهر حينئذٍ يحمل قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} على ما عداه الجلد فإنه مستثنى بهذا النص، (أو قياس راجح) {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] .