إذًا: ثم قرائن: أيُّ، وما، وبطلان النكاح ثم صورةٌ نادرة هذه كلها تدل على المراد بالمرأة هنا المرأة الحرة البالغة، ثم قال: (والاحتمال قد يبعد فيحتاج إلى دليل في غاية القوة) ، بمعنى: أن المعنيين الراجح والمرجوح قد يكون المرجوح بعيدًا ثم قد يكون بقربه إلى الراجح يحتاج إلى أدنى دليل من أجل حمل اللفظ على المرجوح، وقد يكون متوسطًا فيحتاج إلى دليل متوسط وقد يكون بعيدًا في غاية البعد لكنه اللفظ المحتل له، حينئذٍ نحتاج إلى دليل أقوى في جعل اللفظ مرادًا به المعنى المرجوح دون الراجح، بمعنى أن المعنى المرجوح قد يقرب من المعنى الراجح وقد يبعد وكلما بعد احتاج إلى قوةٍ في الصارف، ولذلك قال: (والاحتمال) ، يعني: المعنى المرجوح (قد يبعد) عن إرادة المتكلم حينئذٍ يحتاج إلى دليلٍ في غاية القوة لدفعه لتجبر قوة الدليل ضعف الاحتمال كقول الأحناف السابق، (وقد يقرب فيكفي أدنى دليل) وهذا فيما إذا كان كما في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] {إِذَا قُمْتُمْ} بالفعل أو إذا أردتم القيام؟ إذا أردتم القيام. حينئذٍ صار هذا مجاز، بمعنى أنه أطلق القيام الذي هو الفعل على إرادته، والإرادة سببٌ في القيام وهو مسببٌ. حينئذٍ أطلق السبب على المسبب، (وقد يتوسط فيجب المتوسط) كما في الآية السابقة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ، وهذه تختلف من ناظر إلى ناظر، المراد من هذه كلها: أن المعنى المرجوح لا يصار إليه إلا بدليلٍ شرعي، والأصل في حمل اللفظ على ظاهره. حينئذٍ لا يقال: بأن من حمل اللفظ على ظاهره صار ظاهريًا كما هو يدعى الآن لا، نقول: الأصل النص السابق لا يجوز خلافه، {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ، «في أربعين شاةً شاةٌ» . نقول هذا لا يجوز خلافه، ولا يُعدل عنه إلا بنسخٍ، لا يعدل عن النص إلا بنسخ. وأمَّا الظاهر فيجب الوقوف مع المعنى الراجح ولا يجوز حمله على المعنى المرجوح إلا بدليلٍ شرعيٍ واضحٍ بَيِّن وهذا هو الأصل. ومن هنا تعلم أن قاعدة إذا ورد الاحتمال للدليل بطل الاستدلال ليست مطلقة، لأن الألفاظ الظاهرة كثيرة في نصوص الكتاب والسنة فما من لفظٍ ظاهر إلا وهو محتمِلٌ لمعنى مرجوح، فلو قيل بالقاعدة على إطلاقها لما بقي لنا دليل، ما بقي إلا النصوص التي لا تحتمل إلا معنًى واحدًا. حينئذٍ ينظر في هذه القاعدة وتقيد إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، وعدَّلها الصنعاني رحمه الله تعالى: ضعف الاستدلال، وهو أولى. أمَّا بطل الاستدلال هذا فيه شيءٌ من النظر، فإن دل على أحد معنيين أو أكثر لا بعينه وتساوت ولا قرينةٌ فمجملٌ. هذا النوع الثالث وهو: المجمل، والمجمل ما تردَّد بين محتملين فأكثر على السواء، يعني: اللفظ إمَّا أن يدل باعتبار المعنى، إمَّا أن يدل على معنًى واحدٍ فقط ولا يحتمل غيره وهذا النص، وإمَّا أن يدل على معنيين فأكثر هو في أحدها أو أحدهما أرجح من الآخر وهذا هو الظاهر حمله على الراجح هو الظاهر، وإمَّا أن يدل على أكثر من معنى وليس أحدُها أرجح من الآخر، وهذا هو المجمل، فإذا تساوت المعاني دون ترجيح نسميه مجملًا، ما تردَّد بين محتملين.