ثم قال رحمه الله تعالى: (وقول الصحابي:(نهى عن المزابنة) و (قضى بالشفعة) عام). يعني: إذا حكى الصحابي فعلًا من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتى بصيغة دالة على العموم هذا كما مضى معنا في أمر ونهى قالوا: هذا أدنى من أن يقال: (( سمعت) أو (أخبرني) أو (شافهني ) ). أو نحو ذلك، لماذا؟ لكونه يحتمل أن الصحابي قد فهم ما ليس بأمر أمرًا وهنا كذلك إذا قال: (( نهى عن المزابنة) و (قضى بالشفعة ) )قضى بالشفعة مطلقًا في كل واقعة ونهى عن المزابنة مطلقًا في كل مزابنة أو أنها حادثة عين؟ أو قضية عين؟ الصحابي حكى بصيغة العموم حينئذٍ لأنه قال: المزابنة الشفعة. هذا ما صيغة العموم هنا؟ مفرد دخلت عليه أل فيعم كل شفعة وكل مزابنة هل يصح أن يقال بأن الصحابي يحتمل أنه لم يفهم العموم فحكى العموم أو أنه قد فهم العموم فحكى العموم كما هو؟ هذا محل الخلاف إن كان ثَمَّ احتمال بأن الصحابي لم يكن في الواقعة عموم فحكى العموم يعني: يحتمل أنه قد أخطأ كما لو فهم الأمر وليس الأمر مرادًا كما أنه لو فهم من النهي النَّهي التحريم وليس النهي مرادًا كذلك هنا يحتمل حينئذٍ وقع خلاف بين الأصوليين هل يعم أو لا يعم؟ والصحيح أنه يكون عامًا وعليه الأكثر لأن الصحابة أئمة في اللغة فإذا حكوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا فعله بصيغة عموم دل على أن العموم مراد، وإذا حكوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرًا بصيغة أمر فالأصل فيه أنه للأمر وكذلك النهي، (( نهى عن المزابنة ) )يعني: نهى عن كل مزابنة. والمزابنة كما سبق معنا بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر وبيع العنب بالزبيب كيلًا وعلة النهي لما فيها من الغمر والجهالة والشفعة انتقال حصة الشريك إلى الآخر ممن اشتراها بالثمن نفسه حينئذٍ يفهم من قوله: (( نهى عن المزابنة ) ). أي: نهى عن كل مزابنة فليست القضية قضية عين لا تعم غير تلك العين التي حكم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن المزابنة، وكذلك قضى بالشفعة حينئذٍ كل شفعة يقضى فيها بما قضى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس الحكم خاصًا بذلك الذي قضى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة وقلنا: هذا هو مذهب الجمهور وهو الصحيح لأن الصحابي عدل ضابط فإذا روى ما يدل على العموم يدل على جزمه به دل على أنه جزم بهذا العموم حينئذٍ صار هو المعتمد، وقيل: لا يفيد العموم لأنها قضايا أعيان. كما يعبر كثير من الفقهاء، حينئذٍ حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في محال معينة حينئذٍ لا يقاس عليها في تلك الأحكام التي حكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.