ثم قال: (فإن تعارض عمومان وأمكن الجمع بتقديم الأخص أو تأويل المحتمل فهو أولى) . إن تعارض عمومان التعارض في اللغة: التقابل والتمانع. وعند الأصوليين يتقابل دليلان يخالف أحدهما الآخر تقابلا تعارضا والمراد بالتعارض هنا التناقض الجزئي لا الكلي الذي يكون من كل وجه ولا يمكن الجمع بينهما لأن هذا لا وجود له في القرآن ولا في السنة لأنه تناقض والقرآن يصدق بعضه بعضًا، وكذلك السنة تصدق القرآن والقرآن يصدق السنة، إذًا لا تناقض ولا تنافر بينها، إن وقع تنافر فيكون جزئيًا باعتبار الناظر المجتهد يعني: باعتبار نفسه في فهمه هو الذي أوقع عنده التناقض، وأما في الشرع في نفسه فلا (فإن تعارض عمومان) وهو البحث في اللفظ العام قال حينئذٍ له أحوال إما أن يمكن الجمع بينهما أو لا فإن أمكن الجمع بتقديم الأخص الأَخص هو عام في نفسه لكنه باعتبار غيره أعم هنا قال ماذا؟ (تعارض عمومان) إذًا كل منهما عام (وأمكن الجمع بتقديم الأخص) كيف قال: (الأخص) . وقال: (عمومان) ؟ يعني: عمومان أحدهما أعم من الآخر فصار الذي دون الأعم الآخر بالنسبة للأعم أخص حينئذٍ التخصيص هنا تخصيص نسبي وإلا هو في نفسه عام وإلا كيف يتصور أن يقال تعارض عمومان فيقدم الأخص؟ يقدم الأخص يعني: باعتبار ما هو أعلى. حينئذٍ صار هذا الأخص هو عام في نفسه لكن باعتبار العام المقابل أخص منه، (بتقديم الأخص) مثلوا لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» . من هذه صيغة عموم ففيه عموم وفيه خصوص، العموم في من يشمل الذكور والإناث والخصوص من حيث تعليق الحكم على الردة «من بدل دينه فاقتلوه» . مع نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء (نهى عن قتل النساء) هذا خاص بالنساء هو عام في الحربيات وغيرهن فالأول عام في حق الرجال والنساء خاص بأهل الردة «من بدل دينه فاقتلوه» . والثاني عام في الحربيات والمرتدات خاص بالنساء فالتعارض بين عموم الأول وخصوص الثاني حينئذٍ المرتدة هل تقتل أو لا؟ إذا نظرنا للحديث الأول «من بدل دينه فاقتلوه» تقتل المرتدة، وإذا نظرنا للثاني (نهى عن قتل النساء) فالمرتدة لا تقتل، إذًا الصورة واحدة وكل منهما يُنَزَّل على هذا المحل حينئذٍ لا بد من الترجيح، هو ترجيح لكن يسمى جمعًا، بمعنى أنه ينزل هذا على حال وهذا على حال، [تنفك الجهتين] [1] تنفك الجهتان حينئذٍ نقول: هذا يسمى جمعًا مجازًا فلا بد أن يقال هنا تقتل أو لا تقتل؟ إن قتلنا حينئذٍ أعملنا الحديث الأول وهو: «من بدل دينه فاقتلوه» .
(1) سبق.