انتهى الأمر هل هذا أو ذاك؟ محل نزاع بين الأصوليين، قال: (ولا يقتضي التكرار) ، أيْ لا يقتضي إلا فعل المأمور به مرةً واحدةً فقط حينئذٍ المرة الثانية، والثالثة نحتاج إلى قيد أو إلى نص خارج عن النص الأول، وأمَّا النص الأول فانتهت فعاليته بمعنى أنه امتُثل الأمر مرةً واحدة وانتهى مدلوله وانتهى امتثاله كما لو قال: ادخل الدار، أيْ: كن داخلًا وبدخلةٍ واحدة يوصف بأنه داخلٌ فكان ممتثلًا، قال: (خلافًا للقاضي وبعض الشافعية) ، بمعنى: أن الأمر عندهم يقتضي التكرار لأن الأمر لا اختصاص له بزمانٍ دون زمان فاقتضى إيقاع الفعل بجميع الأزمان وكذلك قياس الأمر على النهي، النَّهي لا شك فيه محل وفاق أنه للتكرار بمعنى أنه إذا قال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] ، يعني: مدة الحياة، يقتضي التكرار ما من يوم بل ساعة بل ثانية إلا وأنت منهي عن هذا النهي فحينئذٍ تعلق بجميع الأزمان، قالوا: مثله الأمر يتعلق بجميع الأزمان فإذا امتثل مرةً صار الأمر نفسه دالاًّ على امتثاله مرةً ثانية وهكذا، (وقيل: يتكرر إن عُلِّقَ على شرط) ، وهذا محل وفاق عند بعضهم حَكَى بعضهم الإجماع على أن افعل إذا عُلِّق بشرطٍ صار الشرط كالعلة، حينئذٍ يدور الحكم مع علته وجودًا وعدمًا {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ، يعني: مرة واحدة جنابة يقع بها يطَّهر وانتهى ولا كلَّما حدثت منه جنابة تتطهر؟ كلما حدثت منه جنابة تتطهر لأن ليس المراد به مرة واحدة كذلك قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، كلما حصلت السرقة جاء الأمر إذًا {فَاقْطَعُوا} هنا عُلِّق على وصف وهذا الوصف علة كذلك: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} اطَّهروا هذا افعل حينئذٍ عُلِّق على شرطٍ فكلما وجد الشرط أو الوصف وجد الأمر فحينئذٍ صار للتكرار وهذا محل وفاق، (وقيل: يتكرر بتكرر لفظ الأمر) صلِّي ركعتين، صلِّي ركعتين حينئذٍ صلِّي الأول ركعتين وصلِّي الثاني ركعتين إذا كرر الأمر الفعل نفسه، (وحُكِيَ ذلك عن أبي حنيفة) رحمه الله تعالى (وأصحابه) ، والصحيح أن يقال: إنَّ صيغة افعل موضوع للماهية فقط دون نظرٍ إلى مرةٍ أو غيرها، وإنما المرة تعتبر من لوازمِ وضروريةِ امتثال الأمر، بمعنى: أن المراد من صيغة افعل صلِّي إيقاع وإيجاد الصلاة، ثم إيجاد الصلاة لا يتصور إلا بمرةٍ واحدة.