أولًا: تحرير محل النزاع، يقال: شرع من قبلنا إذًا شرع من قبلنا هذا فيه تفصيل لا بد أن نحرر محل النزاع، شرع من قبلنا وجاء في شرعنا ما يدلُّ على نسخها نسخ الشريعة المتقدمة فتكون حينئذٍ خاصةً بالأمم السابقة نحو قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] ، فهذا منسوخ بالنسبة لشرعنا لحديث: «ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد» ، ومنه «وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» . هذا شرع من قبلنا وجاء في شرعنا ما يدلُّ على نسخه، وما وضع الله من الأغلال والآصال التي كانت عليهم كما قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] ، فهذا النوع ليس بشرع لنا بلا خلاف. يعني: ما جاء في شرعنا أنه ناسخ له ليس بشرع لنا بالإجماع محل وفاق.
الثاني: شرع ما قبلنا وقد دلَّ الدليل على أنه شرع لنا أيضًا كالصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] ، هذا شرع لنا وشرع لهم، وهذا محل وفاق أنه شرع لنا، كذلك القصاص في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] ، والصيام كذلك فهذا شرعنا بلا خلاف.
إذًا الأول ليس بشرع لنا باتفاق والثاني شرع لنا بلا خلاف.
ثالثًا: شرع لم يذكر في شرعنا، لا ذكر له في كتاب ولا في سنة بل هو من الإسرائيليات هذا ليس بتشريع لنا إجماعًا، يعني: ما لم يرد في كتاب والسنة ذِكْرٌ لهم فليس بتشريع لنا إجماعًا لهذا نهينا عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم.
رابعًا: شرعٌ لمن قبلنا ولهذا ذكر في الكتاب والسنة، ولم يرد ما يدلُّ على أنه شرع لنا أو أنه ليس بشرع لنا هذا محل نزاع، إذًا يشترط في هذا الشرع الذي هو شرع لمن قبلنا بأن يكون شرعًا لنا أن يكون مذكورًا في الكتاب والسنة، وأمَّا إن كان من أخبار الإسرائيليات فهذا لا يعتبر شرعًا لنا وإن كنا مأمورين بأننا لا نصدقهم ولا نكذبهم، والمسألة مفروضة فيما إذا ذكر في شرعنا ولم نجد نسخه ولم نجد تأيده قال هنا: (شرع من قبلنا وهو شرع لنا ما لم يرد نسخه في إحدى الروايتين اختارها التميمي، وهو قول بعض الحنفية، وبعض الشافعية، والأخرى: لا، وهو قول الأكثرين) . والصحيح: أنه يعتبر شرعًا. لنا شرع ما قبلنا إذا ورد في الكتاب والسنة وسُكِتَ عنه فهو شرع لنا لسببين:
أولًا: ما ذكر إلا من أجل الاقتداء.