ثم قال: (وبرهان الْخَلْف) . هذا النوع الثالث نعم برهان الاعتلال، وبرهان الاستدلال، وبرهان الخلف. قال في اللسان: الْخَلْفُ الرديء من القول يقال: هذا خَلْفٌ من القول أي: رديء. خلف، ولذلك خَلَفِيٌّ خَلْفِيٌّ الأصل من هذا الباب يسمى خَلْف برهان خلفي (وهو كل شيء تَعَرَّضَ فيه لإبطال مذهب الخصم بلزوم صحة مذهبه) ، يعني: يكون ثَمَّ مذهبان أو أكثر فيتعرض الناظر أو المجتهد بإبطال هذا القول الذي يقابل قولي فإذا أبطلته دل على ماذا؟ على أن قولي صحيح، إذا كان في المسألة قولان فقط: الصحة، والكراهة. أبطلت وأنا أرى الكراهة أبطلت دليل القائل بالتحريم تعين الثاني هل أحتاج أن أذكر دليلي؟ لا أحتاج لماذا؟ لأن المقابل أبطلته فتعين أن يكون قولي هو الصحيح (هو كل شيء تَعَرَّضَ فيه) ، يعني: الناظر أو المجتهد. (لإبطال مذهب الخصم بلزوم صحة مذهبه) ، يعني: أبطله إذا أبطله تعين صحة مذهبه، وهذا له طريقان: (إما بحصر المذاهب وإبطالها إلا واحدًا) ، حصر المذاهب الأربعة مثلًا أربعة أقوال وتبطل ثلاثة وتترك واحد، دل على أن الذي تركته ولم تبطله هو قولك (إما بحصر المذاهب وإبطالها إلا واحدًا) وهذا يقوم على طريقة السبر والتقسيم (أو يذكر أقسامًا ثم يبطلها كلها) (يذكر أقسامًا) التي يمكن أن يتعلق بها الحكم من جهة المخالف (ثم يبطلها كلها) ولا يتعرض لقسمه هو فيتعين يكون هو الذي رجحه، يعني: يريد إقامة الدليل على صحة مذهبه. هذا المراد قد يأتي بالسبر والتقسيم يذكر مذهبه مع المذاهب المذكورة فيبطل الكل ما عدا المذهب الذي اختاره فيتعين صحته، أو يأتي بالأقوال المقابلة دون ذكر مذهبه فيبطلها كلها حينئذٍ تعين أن يكون قوله هو الحق (وسمي خلفًا إما لأنه لغةً الرديء) وكل باطل رديء (أو لأنه الاستقاء) ، يعني: بمعنى استقاء الماء. (الاستقاء) بمعنى استقاء الماء (وهو استمداد فكأنه) ، أي: المستدل. (استمد صحة مذهبه من فساد مذهب خصمه) ، يعني: كأنه اتكأ على فساد قول المذاهب المقابلة على صحة مذهبه، هذا مجرد تسمية وإلا الأصل أن مذهبه إنما كان مبنيًّا على دليل شرعي، وهذا ليس بدليل شرعي حينئذٍ لا يكون هو المقوي له ابتداءً وإنما يكون قوله معتمدًا على دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح ثم بعد ذلك إذا أراد أن يبطل كان هذا الإبطال تتمة لقوله، ولذلك أقول دائمًا: لا يلزم من أراد إقامة القول الحق في مسألة فقهية أن يتعرض للأقوال المقابلة بل لا يلزمه الإجابة عن كل دليل يرده المخالف.