لماذا؟ لأن الفقه ما هو؟ هو أنك تأخذ الحكم الشرعي بطريق صحيح من الكتاب والسنة، فإذا أخذته بدليل صحيح وطريقة صحيحة لزمك، لا يجوز القول بغيره وهو المتعين عليك، حينئذٍ النظر في أقوال الآخرين لا بد أن يكون لدليل عنده قد يُذْكَر وقد لا يُذْكر ثم الذي يذكر قد تكون العلة أو الاستنباط واضحًا يعني: التماس هذا القول والفرع الذي أرى أنه باطل أو ضعيف دلالة اللفظ عليه قد يكون، له وجه لكن يكون إما من جهة أنه معنى مرجوح، أو أنه معارض بما عندي وهو مقدم عليه، حينئذٍ لو تركت الأدلة كما هي ولم تتعرض لردها أو نقدها أو إبطالها لا يلزمك الكف عن قولك أنت ولا يكون داعيًا للمرء أن يقف عن القول الذي اختاره من أجل أنه لم يتمكن من الرد على أقوال المخالفين، وهذا قد يظنه ظان أنه لا بد أن يكون ثَمَّ نعم يكمل مذهبه ويقويه أما أن يكون أصلًا فلا لأنك لست ملزم عن إجابة ما اختاره فلان أو فلان من أهل العلم، ثم قد يخفى بعض الأدلة من حيث الاستدلال ينقل النص بجوار الحكم الشرعي ولم تدري لم اختار هذا من ذاك، ولذلك تجد في كثير من أقوال الفقهاء وخاصة المتأخرين: والحكم كذا للندب. تنظر في الدليل لا وجه له إما أنه يدل على الوجوب وإما يدل على التحريم وقد لا تذكر الوجه الصارف مع ذكر الحكم الشرعي وإنما يقول: للكراهة أو للندب لقوله - صلى الله عليه وسلم - كذا. وإذا نظرت في الدليل من حيث هو إما إيجاب وإما تحريم، حينئذٍ نقول: هذا لا يمكن الإجابة عنه. لأنه لا بد أن يبين لماذا صرف هذا النهي أو هذا الإيجاب لماذا صرفه عن الإيجاب أو التحريم إلى الندب أو الكراهة؟ فإذا لم ينقل لست مكلفًا بالإجابة عنه، بل أقول: الأصل هذا النص الذي توقفت عليه دل على التحريم ولا أعلم قرينة صارفة له فيبقى على التحريم. حينئذٍ تكون أنت جانبك مقوى قال هنا: (ويجوز أن يكون من الخَلْف وهو الوراء، لعدم الالتفات إلى ما بطل) يحتمل.