هذا الكلام في ترتيب الأدلة، الأدلة الشرعية المراد هنا بترتيب الأدلة الأَدلة الشرعية، ومعلوم أن الأدلة ليست على مرتبة واحدة بل هي متفاوتة في القوة فبعضها أقوى من بعض، حينئذٍ يحتاج الفقيه أو المجتهد إلى معرفة الأقوى ليقدم هذا الأقوى على غيره عند التعارض، والأدلة الشرعية الأربعة من حيث وجوب العمل بها في مرتبة واحدة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. كلها في مرتبة واحدة هذا من حيث العمل وجوب العمل، يعني: يجب العمل بالسنة كما يجب العمل بالكتاب، ويجب العمل بالإجماع كما يجب العمل بالكتاب والسنة، وكذلك يجب العمل بالقياس وَقَيِّدْهُ بالصحيح القياس الصحيح يجب العمل به كما يجب العمل بالكتاب والسنة، إذًا كلها من حيث الوجوب في مرتبة واحدة إذ الجميع يجب إتباعه والاحتجاج به، ومن حيث المنزلة والمكانة هنا باعتبار المتكلم وهو المشرع فلا شك أن القرآن أعظم منزلة من السنة هذا كلام الله وهذا كلام بشر، إذًا لا يتساويان، الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس ترتيب الأدلة من حيث النظر فيها يعني: الباحث هنا المجتهد لا يريد من حيث العمل متفق عليه، وكذلك من حيث المكانة متفق عليها لكن إذا أراد أن ينظر ويبحث المسألة حينئذٍ كيف ينظر بماذا يبدأ هل يبدأ بالكتاب أو يبدأ بالإجماع أو يبدأ بالسنة يبدأ بمذهب أهل الحديث بمذهب الفقهاء كيف يكون النظر؟ هو الذي يتكلم عنه الأصوليون في هذا الموضع، فهذا المقصود هنا بحثه في هذا الموضع وطريقة السلف في ذلك الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس على الترتيب الذي يذكره الفقهاء.
(فصل: وأما ترتيب الأدلة) الترتيب المراد به وضع كل شيء في موضعه، والأدلة جمع دليل المراد به هنا الكتاب والسنة والإجماع والقياس لأنها تثبت بها الأحكام، (وترجيحها) ترجيحها إنما يكون عند التعارض، إذًا عندنا ترتيب وعندنا ترجيح وعندنا تعارض، عندنا ترتيب أدلة وعندنا ترجيح وعندنا تعارض، ترتيب الأدلة جعل كل دليل في رتبته التي يستحقها بوجه من الوجوه، والتعارض تقابل الدليلين على سبيل المخالفة أو بعضهم يعبر بالممانعة تقابل الدليلين على سبيل الممانعة أو المخالفة يعني: كل منهما لا يمكن العمل به في محل واحد في وقت واحد لا يمكن، وهذا التعارض نوعان: تعارض كلي من كل وجه، وتعارض جزئي في وجه دون وجه، الأول ممتنع وقوعه في الشرع بمعنى أنه يوجد تعارض بين النصين قرآن وقرآن أو قرآن وسنة ولا يمكن العمل بهما البتة لأنه لا يمكن الجمع بينهما بحال من الأحوال ولو بتنزيل أحد الدليلين على حال مخالف للآخر، هذا لا وجود له في القرآن ولا في السنة لماذا؟ لأنه حق والحق لا يتناقض ولا يتعارض، والتعارض الجزئي الذي يكون في وجه من الوجوه ويمكن الجمع هذا يقع لكن لا لذاته يقع في الأدلة لا لذات الأدلة، وإنما لنظر [أي نعم] لنظر الناظر المجتهد، وإنما يكون التعارض في الفهم عند قصور الناظر إما لقلة علمه أو لقلة فهمه أو لتقصيره في البحث ونحو ذلك، وكل من رأى تعارض بين دليلين فلا بد أن يكون له حظ من هذا إما أنه لم يطلع أو أنه لم يتعلم أو أنه بقي عليه شيء من الفهم ونحو ذلك، إذًا تعارض كلي وتعارض جزئي.