فإن أمكن الجمع وزال التعارض امتنع الترجيح، ومتى امتنع الجمع بين المتعارضين وجب الترجيح، لا يجوز الترجيح بدون دليل هذا من قواعد الترجيح لا يجوز الترجيح بدون دليل إذ هو تحكم وهوى وهو باطل، يعني: هكذا من نفسه قَدِّم هذا على ذاك فيه تحريم وفيه كراهة والكراهة أخف على الناس، إذًا حكمه الكراهة وهذا ترجيح بلا مرجح وهو باطل، قال هنا المصنف: (وأما ترتيب الأدلة وترجيحها فإنه يبدأ بالنظر في الإجماع) . وهذه طريقة ابن قدامة رحمه الله تعالى في الروضة، أن الإجماع مقدم لأنه لا [ذكره سيأتي هنا] (فإنه يبدأ بالنظر في الإجماع، فإن وجد لم يحتج إلى غيره) نعم إذا وجد الإجماع لا تحتاج إلى غيره من الأدلة البتة لا لكوننا معرضين عن الكتاب والسنة ولا نحكم بالشرع لا لأن هذا الدليل قاطع في بابه بمعنى أنه لا يحتمل غير ما نص عليه، ولذلك الإجماع لا يكون إلا نص ليس عندنا ظاهر ومجمل في الإجماع وإنما هو نص على حكم شرعي واجب حرام إلى آخره جائز لا يجوز نقول: هذا نص فإذا كان نصًا حينئذٍ إجماع لا يقبل النسخ لماذا؟ لأنه لا يكون إلا بعد زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا أين الناسخ؟ لا يكون ثَمَّ ناسخ إذا كان نصًا هل يحتمل التأويل مجمل يحتاج إلى قرينة أو ظاهر يحتاج إلى مؤول؟ لا يحتاج، إذًا صار مقدمًا من كل وجه (فإن وجد لم يحتج إلى غيره فإن خالفه) إن وجد ما ظاهره أنه مخالف للإجماع من نص (فإن خالفه نص من كتاب أو سنة عُلم أنه منسوخ أو مُتأوّل) إذا وجد إجماع صحيح ثابت قطعي ووجد في ظاهر الكتاب أو ظاهر السنة ما يخالف الإجماع [إما أن يكون الإجماع منسوخًا فيطرح نعم] [1] إما أن يكون النص منسوخًا فيطرح أو يكون متأولًا يعني: نوجد له معنى يخالف ظاهره نؤوله، لا بد من تأويله هنا يتعين التأويل فنؤول هذا النص الذي يدل على حكم مخالف للإجماع بوجود الإجماع القطعي لأن هذا يحتمل التأويل والإجماع لا يحتمل التأويل، فإذا تعارض ما احتمل التأويل مع ما لا يحتمل التأويل وجب تأويل ما احتمل التأويل ولا يكون معارضًا، ولذلك قال: (عُلم أنه) . أي: النص. من كتاب أو سنة منسوخ فيطرح، أو متأول إن صح، لأن الإجماع قاطع لا يقبل نسخًا ولا تأويلًا، فهذا الإجماع إذا وجدت إجماع فامسك به.
(1) سبق.