والنوع الثاني هو الباقي على أصل الإباحة بمعنى أنه لا يكون وسيلةً لغيره كالمباح في المشي إذا لم يكن واحدًا من تلك الأربعة صار مباحًا وحينئذٍ لم يتعلق به أمرٌ ولا نهي ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع، فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة كأبي حنيفة، فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته) . يعني: المباح. (وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة: الحظر. وتوقف الجزري والأكثرون) هذه المسألة مبنيةٌ على أصلٍ وهو: هل خلا زمنٌ من الأزمان عن شرعٍ أو لا؟ هل ثَمَّ زمنٌ منذ أن خلق آدم عليه السلام إلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - هل ثَمَّ زمنٌ ليس فيه شرعٌ أو لا؟ والمسألة مفروضة في ماذا؟ قبل الشرع بمعنى أن هذه المسألة متصورةٌ في زمنٍ لم يكن ثَمَّ شرعٌ حينئذٍ وقع الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة، والصحيح الذي نجزم به وهو أنه لا يخلو وقتٌ عن شرع منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة لا يوجد زمنٌ لا شرع فيه البتة قد يعلن وينتشر ويعلم وقد يضعف، أما الشرع من حيث هو فهو موجودٌ، إذًا الصحيح عدم خلو وقتٍ عن شرعٍ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى لأنه أول ما خلق الله تعالى آدم قال له: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] ، إذًا أمرهما ونهاهما وأول مخلوقٍ هو آدم عليه السلام وآدم نبيٌ على الصحيح حينئذٍ كيف يقال: بأن ثَمَّ زمنٌ لا شرع فيه البتة؟ إذًا نقول: أمرهما ونهاهما عقب خلقهما فكذلك كل زمان وعموم النصوص في الكتاب والسنة تدل على ذلك. قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] . الإنسان جنس الإنسان ولو فرد واحد لا يمكن أن يخلق الإنسان ويترك هكذا سدى دون أن يؤمر ولا ينهى، وقال تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] ، {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ} هذا من صيغ العموم بل نصٌ في العموم {مِّنْ} هذه زائدة لتوكيد العموم، كذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، حينئذٍ لا يصح أن يفرض زمنٌ لا شرع فيه البتة، وهنا المسألة مفروضة فيما إذا خلا الزمن عن شرعٍ. إذًا ما الحكم؟ وأهل السنة والجماعة في مثل هذه المسائل التي يتكلم فيها أهل البدعة من المعتزلة وغيرهم، الأولى أن لا تحذف ويقال: لا بد من نظرٍ في أصول الفقه ويجدد إلى آخره، وإنما نقول: ننظر إلى المسألة بنظرٍ يوافق الكتاب والسنة. حينئذٍ إذا فرض هكذا على التسليم إذا فرض ثَمَّ زمنٌ لا شرع فيه حينئذٍ نقول: مذهب أهل السنة والجماعة التوقف. وهو الذي حكاه المصنف هنا مصنف هنا عن الجزري والأكثرين بأنه يقال: الله أعلم. ما حكم تلك الأمور التي تكون من الأعيان والمأكولات والمطعومات التي ينتفع بها ولا يكون فيها شيءٌ من الضرر ما حكمها؟ نقول: الله أعلم.