وإنما فرض المعتزلة هذه المسألة بناءً على أن العقل له مدخلٌ في التشريع، ولذلك قال في (( جمع الجوامع ) ): وَحَكَّمَتِ المعتزلة العقل. بمعنى أن العقل يعتبر مصدرًا من مصادر التشريع فما حسنه العقل حينئذٍ حسنه الشرع، إما بإيجاب أو ندبٍ وما قبحه العقل حينئذٍ قبحه الشرع إما بالتحريم أو بالكراهة فالشرع كاشفٌ لما دل عليه العقل والعقل أصل فحينئذٍ فرضوا هذه المسألة قبل الشرع ما دام أن العقل هو الحاكم إذا لو لم يكن شرعًا ما حكم هذه المسألة؟ الأعيان المنتفع بها منهم من قال: الحظر. ومنهم من قال: الإباحة. ... إلى آخره فاختلفوا في ذلك، (وقد اختلف في الأعيان المنتفع بها) ، (المنتفع بها) قالوا: هذا قيد. لأن الأمور لها ثلاثة أحوال:
ما فيه ضررٌ محض وليس فيه منفعة كأكل الأعشاب السامة القاتلة، قالوا: هذا معلومٌ أنه ضرر.
ما فيه ضررٌ من جهةٍ ونفعٌ من جهةٍ أخرى والضرر أرجح أو مساوي، وهذان محرمان والغريب أن من شرح من أهل السنة هذه المسألة بدأ يدلل لها بالكتاب والسنة فجعل الأول والثاني أنه محرم لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» . والمسألة مفروضة في ماذا؟ قبل الشرع حينئذٍ لا يستدل أخطأ وأخطأ وَأخطأ من استدل بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ، أو {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32] . هذا غلط لماذا؟ لأن المسألة ليست مفروضة بعد الشرع وهم لا يستدلون بالآيات والأحاديث وإنما المراد قبل الشرع. يعني: قبل آدمٍ إن أمكن أو بعد آدم إن خلا ذلك الزمن عن شرع ما حكمها؟ فلا نستدل بالكتاب والسنة، على كلٍّ من قسم من أهل السنة هذه الأقسام الأول والثاني حكم عليهما بالتحريم لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» .