وقال الطوفي: إن العزيمة تختص بالواجب والحرام والمكروه. هذا قول ثاني، وقال ابن قدامة: إن العزيمة تختص بالواجب. وقال القرافي: تختص بالواجب والمندوب. هل تدخل العزيمة جميع الأحكام الخمسة أو أنها خاصة بالواجب والمندوب أو أنها خاصة بالواجب إلى آخر ما ذكر؟ نقول: الصحيح أنها عامة في جميع ما ذكر (بدليل شرعي) احتراز عن الثابت بدليل عقلي فلا يستعمل فيه العزيمة والرخصة (خالٍ عن معارض راجح) من هنا انفصلت العزيمة عن الرخصة (خالٍ عن معارض راجح) بمعنى أن ما أوجبه الله أو ندبه أو حرمه أو كرهه لم يوجد دليل في الكتاب أو السنة يخالفه بمعنى أنه باقٍ على إيجابه الذي أوجبه الله تعالى وباقٍ على تحريمه الذي حرمه الله تعالى، ولم يرد في الشرع معارض له ثم هذا المعارض إن وجد إما أن يكون راجحًا أو مساويًا أو مرجوحًا وهنا قال: (خالٍ عن معارض راجح) . بمعنى أنه قد لا يخلوا عن معارض مساوٍ وعليه إن وجد معارض للحكم الشرعي بشرط أن يكون مساويًا حينئذٍ وجب التوقف وطلبنا دليلًا خارجيًا يكون مرجحًا لأحد الأمرين على الآخر، وإن كان مرجوحًا فحينئذٍ لا يعارض الراجح بالمرجوح حينئذٍ نحتاج إلى الموازنة بين النصين، إذًا (بدليل شرعي خالٍ عن معارض راجح) احترازًا عما يثبت بدليل لكن لذلك الدليل معارض مساوٍ أو راجح لأنه إن كان المعارض مساويًا لزم الوقف يعني: التوقف. وانتفت العزيمة وطلب المرجح الخارجي، وإن كان راجحًا لزم العمل بمقتضاه وانتفت العزيمة وثبتت الرخصة فيما جاء فيه الترجيح، مثال ذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] . هذا دليل يدل على تحريم أكل الميتة وهو: التحريم. جاء معارض له وهو معارض راجح دل على استثناء مسألة واحدة وهي: المخمصة. {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} حينئذٍ استثنيت هذه الحالة وبقي عموم قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} . على ما عدا المخمصة حينئذٍ نقول: تحريم أكل الميتة هذا عزيمة وهذا هو الأصل فيها عورض بدليل راجح في المخمصة حينئذٍ صار الترخيص والتسهيل والتيسير فيما إذا كان ثَمَّ مخمصة فيستثنى من عموم النص.