مع بقاء السبب الأصلي وهو: إيجاب استعمال الماء على من وجد الماء. هذا هو الأصل فيه ولكن لما وجد السبب في كون المريض عاجزً عجزًا حكميًّا عن استعمال الماء صار رخصةً في حقه (كتيمم المريض لمرضه) حينئذٍ صار فيه إباحة ترك الواجب وهو: استعمال الماء مع وجود الماء. (وأكل الميتة للمضطر) على ما ذكرناه سابقًا (لقيام سبب الحظر) ما هو سبب الحظر؟ وجود الماء في التيمم، والخبث في أكل الميتة. حينئذٍ وجد السبب على حاله والأصل فيه الحكم الشرعي إذا عُلِّقَ بسبب أنه يكون مطردًا معه، [كلما وجد السبب أو العلة وجدت الحكم] [1] ، كلما وجدت العلة وجد الحكم، ومع ذلك وجد السبب المقتضي للتحريم في الميتة في المخمصة وانتفي في حق ذلك المضطر كذلك وجد السبب المقتضي للوضوء وهو: وجود الماء. وانتفى في حق المريض لوجود السبب وهو كونه مريضًا (لوجود الماء وخبث المحل، والعرايا من صور المزابنة) (والعرايا من صور المزابنة) هذا عطف على قوله: (كتيمم المريض لمرضه، وأكل الميتة للمضطر) ، (والعرايا من صور المزابنة) والمزابنة بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر يعني: بيع تمر بتمر. والتمر الثاني الذي هو ثمن يعتبر رديئًا وذلك الذي أراده يعتبر طيبًا والأصل المساواة وإلا وقعنا في الربا فاستثني من أجل مصلحة المكلف وجه النهي ما فيه من الجهل بتساوي النوعيين الربويين لكن أجاز الشارع ذلك في العرايا جاء في حديث زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها. وللمسلم: بخرصها تمرًا يأكلونه أو رطبًا. دل ذلك على أن هذا مستثنى من الربا وإلا الأصل أن الرطب بالرطب خاصة إذا لم يتفقا أحدهما رديء والثاني جيد هذا الأصل فيه أنه ربا حينئذٍ نقول: أباح هذا النوع من العرايا على خلاف الأصل وهو أنها ربا من باب الترخيص والتسهيل على المكلف.
الرخص ثلاثة أنواع: من الرخصة واجب كأكل الميتة للمضطر فهو واجب على الصحيح لأنه سبب لإحياء النفس وما كان ذلك فهو واجب لأن الدواء والتداوي المشهور في المذهب أنه مباح عند الحنابلة، ولكن الصحيح أنه ينظر فيه باعتبار ما يترتب عليه إن كان يترتب عليه فقد النفس وجب التداوي وإن لم يترتب عليه صار مستحبًا أو مباحًا في حقه والضرورات تبيح المحظورات.
الثاني: من الرخصة مندوب كقصر المسافر الصلاة وهذا يعتبر مندوبًا.
ومن الرخصة: مباح، وعلى المذهب فالجمع بين الصلاتين في غير عرفة أو مزدلفة، فالأصل في الجمع في المذهب أنه مباح وإن كان الصح أنه سنة.
وكذا من أكره على كلمة الكفر وبيع العرايا وعلى ما سبق يعني: مما ذكره المصنف. فالرخصة لا تكون محرمة ولا مكروه وهذا محل نزاع بين الأصوليين وهو ظاهر الحديث: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه» . دل ذلك على أنها لا تكون محرمة ولا مكروهة، وإن كان هذا فيه شيء من النزاع عند الأصوليين.
قال رحمه الله تعالى:
(الباب الثاني)
إذًا(الباب الأول
في الحكم ولوازمه).
(الباب الثاني
في الأدلة)
(1) سبق.