وإنما المراد أنه يرجح من جهة الفتوى من أجل الإلزام وإذا لم يفعل لا يطالب بالقضاء، ولا يطالب بالاستغفار لكون قد ترك واجبًا، لماذا؟ لأن ذلك الذي يترتب عليه الاستغفار أو العقوبة ونحو ذلك لا بد أن يكون واجبًا يقينًا، وأما الواجب الذي يفتى فيه بأنه من باب الاحتياط فليس له حكم الواجب يقينًا، والأصح من هذه الأقوال يقال بأنه للندب إلا عَلَيْهِ عليه الصلاة والسلام فيكون واجبًا ابتداءً حتى يحصل البلاغ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67] فإذا حصل البلاغ والتبليغ حينئذٍ انقلب في حقه إلى الندب، وأما أمته فابتداءً أنه للندب مثلوا لذلك بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل بيته ابتدأ بالسواك هذا فعل لم ينقل تخصيص هذا الموضع بالسواك من حيث الإيجاب أو الندب قالوا: هذا فعل مجرد ولم ينقل معه حكمٌ حينئذٍ نقول: على الأصل أنه مندوبٌ.
(وأما(تقريره) عليه الصلاة والسلام (وهو ترك الإنكار على فعل فاعل، فإن عُلم علة ذلك كالذمي على فطره رمضان، فلا حكم له، وإلا دل على الجواز) (وأما(تقريره ) ) وهذا هو النوع الثالث من أنواع السنة: سنة قوليه، وسنة فعلية، وسنة تقريرية. وأما التقرير والتقرير حجةٌ على قول الأكثر نعم قوله رحمه الله تعالى: (وأما(تقريره ) ) . أي: تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -. والتقرير حجة على قول الأكثر يعني: مما تثبت به الأحكام الشرعية. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم من أن يقر أحدًا على خطئٍ أو معصيةٍ فيما يتعلق بالتشريع و (ترك الإنكار) الذي هو التقرير قد يكون (على فعل فاعل) يفعله بمجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - أو على قولٍ فإما أن يقر فعلًا يفعل بمجلسه بمعنى أنه يسكت على الإنكار ويترك الإنكار، وإما أن يسمع قولًا ثم يسكت عن الإنكار فعدم إنكاره دليلٌ على أنه جائز على أنه مباح فالتقرير على الفعل قالوا: كتقرير خالد على أكل الضب، والحبشة كذلك يلعبون في المسجد، والتقرير على القول كإقراره أبا بكرٍ على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله، (وهو ترك الإنكار على فعل فاعل) وهذا ما يشمل القول يعني: فعل غيره أو قول غيره (فإن عُلم علة ذلك) يعني: ترك الإنكار. (كالذمي على فطره رمضان، فلا حكم له) لأنه لا يدل على الجواز الذمي معلوم أنه لا يصوم فإذا لم يصم فالأصل فيه أنه غير مكلف هذا الأصل يعني: ملابسة الفعل غير مكلف به. هو مكلف بالفرع لكنه لا يتلبس به إلا بعد إسلامه (كالذمي على فطره رمضان) هذا له عذرٌ خاص حينئذٍ ترك الإنكار عليه لا يدل على جواز الفطر في نهار رمضان وهذا واضحٌ فلا حكم له (وإلا دل على الجواز) وإلا يعلم علة ترك الإنكار كان ذلك دليلًا على الجواز لماذا؟ لأن التقرير وترك الإنكار تشريعٌ للأمة فإذا سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعلٍ دل على أنه ليس بمحرم ولا بمكروه، وإذا سكت على قولٍ دل على أنه ليس محرمًا ولا مكروه وهذا يعتبر تشريعًا للأمة لأنه لو كان منكرًا لأنكره {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} [الأعراف: 157] .