والنظر الثاني: بما يترتب عليهما من التفريق وإن كان النظر إلى الأسانيد من حيث الكثرة والقلة وهذا اصطلاحٌ ولا مشاحة في الاصطلاح، وأمَّا من حيث ما يترتب عليه بأن يقال المتواتر قطعي فيقبل في العلميات والعمليات والآحاد يفيد الظن فلا يقبل في العقائد فهذا التفريق هو الذي عبر عنه ابن القيم بأنه محدث وجاء به المعتزلة، فهو بدعة من حيث ما يترتب من الأحكام على هذا التقسيم فهو بدعة، وأما التقسيم نفسه فلا بأس به، ولذلك البخاري رحمه الله تعالى استعمل لفظ التواتر في كتابه جزء القراءة خلف الإمام ذكر حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقال: هذا من ما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وصفه بالتواتر فدل على أنه مستعمل ومعروفٌ في زمانه فما كثر رواته وأسانيد أطلق عليه أنه متواتر، وما لم يكن كذلك فهو آحاد (فـ(المتواتر ) ) مأخوذ من التواتر وهو التتابع مجيء الواحد بعد الواحد بفترةٍ بينهما كما في قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} [المؤمنون: 44] . (فـ(المتواتر حقيقته إخبار جماعة) إذًا إخبار جماعة، هنا قال: (جماعة) . وسيأتي تفصيل الجماعة هل يشترط فيها العدد أم لا؟ (لا يمكن) لهذه الجماعة يستحيل (تواطؤهم) يعني: توافقهم. (على الكذب) عادة لا عقلًا بمعنى أن العقل يجيز أن يتواطئوا على الكذب، ولكن عادةً لبعدهم أو لبعد المسافات بينهم يمتنع عادةً أن يتواطئوا ويتوافقوا على الكذب(وشروطه المتفق عليها في الجملة ثلاثة:
أولًا: إسناده إلى محسوس)وهذه الشروط يزاد على ما قيل في السابق أنه قد زيد في الشروط المتواتر ما ليس منه فثَمَّ شروط هي أشبه ما تكون بشروطٍ محدثة (إسناده إلى محسوس كسمعت ورأيت، لا إلى اعتقاد) بمعنى أن يكون منتهى الخبر الحس يعني: شيءٌ محسوس. إما أن يعبر عنه بـ: سمعت، أو رأيت. فإن كان إخبارهم عن علمٍ واعتقاد فلا يكون متواترًا، لماذا؟ لأن الاعتقاد من ما يخفأ وإذا كان يخفى حينئذٍ لا يقطع بصدقه بوجوده فصار ظنًا والمتواتر لا يكون إلا قطعي الثبوت فدل على أن ما لم يكن مدركًا بالحواس فلا يكون متواترًا (إسناده) يعني: إخبارهم عن شيءٍ محسوس إلى محسوس يدرك بإحدى الحواس الخمس (كسمعت أو رأيت، لا إلى اعتقاد) لأن الذي لا يكون عن شيءٍ محسوس كالمشاهدة أو السماع يحتمل دخول الغلط أو الوهم فيه لأنه اعتقادٌ بنظرٍ واستدلالٍ فهو محتمل، (واستواء الطرفين) هذا الشرط الثاني يعني: طرفي السند. وكذلك الواسطة ما بينهما في شرطه هذا يعم كل شرط، يعم كل الشروط، بمعنى أن الاستواء في الطبقة الأولى وفي الأثناء وفي الطبقة الأخيرة لا بد أن تكون مستوية، بمعنى أن كلًا منهم يروي عن الثاني بـ سمعت أو رأيت، وأما قال هذه لا يعتبر، فحينئذٍ إذا وجد في أول السند وفي آخره ما يدل على السماع أو الرؤية فهو معتبر، فإن تخلف هذا الشرط في الأثناء فَقَدَ شرط التواتر.