حينئذٍ هل يعتبر هذا من القاضي تزكية أو لا؟ قال: نعم (والحكم بشهادته) ليست هي تزكية فحسب بل هي (أقوى من تزكيته) لأنه فعلٌ تضمن القول أو استلزمه بخلاف قوله: عدلٌ. فهو قولٌ مجرد بكونه يأذن أن يشهد دل على أنه عَدَّلَهُ وليس عَدَّلَهُ فحسب بل رتب عليها الثمرة وهو: قبول الشهادة. وهو أعظم (والحكم بشهادته أقوى من تزكيته) يعني: إذا قضى القاضي بشهادة زيد كان ذلك تعديلًا له.
ثم قال رحمه الله تعالى: (و(الجرح ) ) . هذا يقابل التعديل (نسبة ما ترد به الشهادة) (نسبة) يعني: إضافة. إِضافة (ما ترد به الشهادة) إلى الراوي يعني: ينسب إلى الشخص ما يوجب رد شهادته يقول: كذاب، فاسقٌ، دجال. ونحو ذلك (وليس ترك الحكم بشهادته منه) يعني: من الجرح لو لم يقبل القاضي شهادة زيد هل هذا جرحٌ أم لا؟ فيما سبق إذا قبل قلنا: هذا تعديل. إذا ردها لا يلزم منه أن يكون جرحًا، لماذا؟ لأنه قد يكون قريبًا له أو تكون ثَمَّ تهمة عند القاضي جَنَّبَ هذا من أجل أن لا يقع في الحرج، إذًا (وليس ترك الحكم بشهادته منه) يعني: من الجرح. زد لفظ منه أي: وليس ترك الحكم بشهادته من الجرح لاحتمال وجود سببٍ آخر لترك العمل بشهادته غير الفسق كعداوةٍ أو تهمة قرابةٍ ونحو ذلك، ثم قال: (ويقبل كالتزكية من واحد) . بمعنى أنه لا يشترط التعدد في المزكيين ولا في المجرِّحين فمن ثبتت عدالته بتزكية عدلٍ إمامٍ عارفٍ بأصول الجرح والتعديل قبلت تزكيته، ومن جرح وهو إمامٌ في الجرح والتعديل عارفٌ بأسباب الجرح والتعديل يكفي فلا يشترط فيه التثنية خلافًا لمن اشترط ذلك كابن عبد البر وغيره، ولذلك قال السيوطي هناك:
وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلُ وَالأَصَحْ ... إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ