السلبي خلقت الحرب الباردة بعضا من المساحة للحياد وعدم الانحياز، وذلك للقادة المرعوبين الذين لم يكن لديهم خيار سوى أن يوفقوا أوضاعهم مع واقعهم. كما حالت الحرب الباردة أيضا دون تدخل الولايات المتحدة وهيمنتها بطرق مكشوفة. وكما أشرنا من قبل فإن اعتبارات مشابهة كانت بيد القوي الأصغر، لكنها تلاشت البوم.
ويكتسب انتهاء الحرب الباردة أهمية من زاويتين، الأولى أنه يبرر تقديم ذرائع جديدة، وبالتالي فإن الشيطان نور ييجا وتجار المخدرات من أمريكا اللاتينية يتم تحضيرهم ليحلوا محل الخطر السوفيتي. وثانيا أن التدخل الأمريکي في شئون مثل هذه الدول يتم دون اكتراث برد فعل سوفيتي، وذلك على نحو ما يلاحظ إليوت أبراهامس المتخصص في شئون أمريكا اللاتينية. وتبقى هذه العوامل حاضرة في الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة حين قطعت الطريق على صدام حسين الذي حاول تكرار نموذج بوش في بنما بغزوه للكويت، وهنا مرة أخرى يستبدل بالخطر السوفيتي خطرا هتلربا جديدا يحاول أن يغزو العالم. فجرائم صدام حسين العديدة - والتي غضت واشنطن ولندن الطرف عنها حينما كان حليفا لهما - كانت كفيلة بأن تدق طبول الحرب وتجيش الجنود، وكما أشار العديد من المعلقين، فإن واشنطن ولندن بوسعهما الأن دفع نصف مليون جندي إلى الصحراء لمحاربة صدام، وهما مطمئنتان أنه لن يأتي رد فعل سوفيتي.
لقد بدأ الاعتراف بحقائق الحرب الباردة في مراجعة الخيارات المتاحة أمام واشنطن مع تلاشي تلك الحرب، فمع نهاية كل عام تقدم نيويورك تايمز تغطية فكرية لأهم الأحداث التي شهدها العام. وفي ديسمبر 1988 م كانت تغطية الحرب الباردة بقلم ديمتري سيميز الباحث الرئيسي في مؤسسة كارنيجي الدولية للسلام في الموضوع الرئيسي، لقد لاحظ سيميز أن الروس على حافة الخروج من اللعبة، ومن ثم فمن الممكن تحرير السياسة الخارجية الأمريكية من شرنقة الصراع بين القوتين العظميين» (120. وبوسع واشنطن أن تتحرر بثلاثة طرق: الأول أن تلقى بنفقات حلف الناتو على منافسيها الأوربيين، وثانيا أن توقف «استغلال أمريكا من قبل دول العالم الثالث من خلال اتخاذ خط صارم بشأن الديون والتوقف عن تقديم المساعدات المالية التي لا توجد ضمانات لها في تلك الدولة والأهم أن «التدهور الذي تتبدى علاماته على التهديد السوفيتي يمكن أن يجعل من القوة العسكرية أداة مفيدة للسياسة الخارجية