من الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، هكذا يبدو من الأفضل ترك كل ذلك في ركن مظلم جنبا إلى جنب مع الأعمال الإجرامية التي ارتكبت في أفغانستان علي يد أحد أصدقاء السي آي إيه ألا وهو الإسلامي المتطرف قلب الدين حکمتيار. (194)
يمكننا أن نواصل الأمثلة حالة بحالة عبر قائمة طويلة ومخيفة. مع الأخذ في الاعتبار أن الظروف التاريخية تختلف دوما حتى في الحالات المتوازية (على سبيل المثال تيمور الشرقية والكويت) وهي حقيقة تقدم فرصة أخرى للذرائعيين الذين يبحثون عن مسوغات لاستخدام القوة لانتقاء ما يخدمهم، لكن الدراسة المقارنة سرعان ما تكتشف أن المبررات التي تتخذ الإجراء فعل، أو لعدم إجرائه، ليست دوما مبررات وجبهة. فالمبررات الوجيهة مستعصية على الصيغة و التعبير، باستثناء بعض الحالات التي يمكن الفلاسفة التشرشلية أن يعبروا عنها بلغتهم.
لقد كان الأيديولوجيون على حق حين دعموا سياسة واشنطن تجاه العراق باعتبار ذلك إيذانا بنظام عالمي جديد. ولعل الدرس الأول الذي تقدمه هذه السياسة يتمثل في أن الولايات المتحدة لا تزال دولة خارجة عن القانون، يشهد عليها في ذلك حلفاؤها و زبائنها الذين يفهمون حقا أن القانون الدولي حيله وقناع يضعه الأقوياء على وجوههم حين الحاجة، ويحددون درجة الشفافية الملائمة لكل حالة. أما الدرس الثاني فيكمن في أن ذلك السلوك له من الحصانة ما يحميه لدى المجتمع الثقافي الذي له من الحدود القليلة التي يمكنه أن يخدم بها السلطة. وعلينا أن نلتفت إلى دكتاتوريات العالم الثالث لنستمع إلى الحقيقة البدهية التي تتجاهلها في المجتمعات المتحضرة ومفادها أن النظام العالمي الجديد «جديد» فقط في تبنيه سياسات قديمة من الهيمنة والاستغلال مع اختلافات شكلية عارضة، بهدف الإبقاء على دول وشعوب العالم في أماكنها الصحيحة التي تخدم مصالح الغرب. قد تكون القوارير جديدة، لكن الأمر هو ذاته .. قديم معتق.
ها هي الآن لحظة مناسبة لإعادة التفكير في طبيعة المواجهة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولطرح التساؤل حول كيفية ترابط تلك التقسيمات على المستوى العالمى مع بعضها البعض، ولمراجعة التداعيات المحتملة لنهاية الحرب الباردة والتغيرات الأخرى التي شهدها النظام العالي في السنوات الأخيرة