ولعله من الخداع أن تسارع في البحث الدءوب عن أعداء جدد منذ تراجع قوة السوفيت في الثمانينيات، وقد وجدنا ما نبحث عنه في الإرهاب الدولي، والتجارة الدولية للمخدرات، والأصولية الإسلامية، وعدم الاستقراره في العالم الثالث، والفساد بشكل عام. هكذا تم العمل بشهية واسعة مع الأعداء الجدد، وإن كان مفهوم الإرهاب الدولي» لم يشر فيه بعد لدور الولايات المتحدة وزبائنها، وهي مشاركات كسرت الأرقام القياسية كافة، ولم يشر إليها بكلمة في وسائل الإعلام والدراسات الرصينة، وبالمثل، لم تتضمن مناقشات الحرب على المخدرات دور السي آي إيه في هذه التجارة منذ الحرب العالمية الثانية أو دور الدولة الأمريكية ومؤسساتها في الاستفادة من أرياح هذه التجارة، وغيره في القائمة كثير. >
لقد عبر أحد نقاد القرن 19. عن الرؤية الثاقبة للسياسة الأمريكية حين كان ينتقد سياسة التعليم الإلزامي الذي صمم لتحويل الفلاحين المستقلين إلى عمال أجراء، فتعليمهم كان يعني «إيعاد أيديهم عن رقابناه على حد تعبير رالف إيمرسون وهو يعبر بسخرية عن مخاوف الصفوة من الجماهير المسيسة. >
لقد كان الحرب الباردة قائدة أساسية للدولة ولنظري المبادئ العقائدية التي تحكم الدولة الأمريكية، بما وفرته هذه الحرب من أقساق طقسية لتقديم المبررات لارتكاب الظلم ونشر الرعب، كما استفادت العناصر المهيمنة على سياسة الدولة من قابلية الصورة النمطية للتشكل وتقديم بعض المبررات الاحتراسية، ويكشف السجل التاريخي أن المنهج الشكي الذي تتبناه تجاه هذه السياسة له ما يدعمه. وسوف تبرهن على أسباب تبني هذا المنهج، وسنعطي بعض الخلفيات حول ذلك لاحقا، سواء ما يخص النظام العالمي ككل في الفصل القادم، أو بخصوص الشرق الأوسط في الفصل الأخير.
حين شارفت الحرب الباردة نهايتها، توالت النداءات بنظام عالي جديد. وقد جاءت تلك المطالب بأشكال متنوعة. وكان أول حديث في هذا الشأن قد ضعه تقرير نشرته لجنة الجنوب غير الحكومية برئاسة يوليوس تيرير، وكان أعضاؤها اقتصاديين بارزين من العالم الثالث ومخططين حكوميين ورجال دين، وغيرهم. وفي دراسة لهذه اللجنة) في عام 1990 م تمت مراجعة التقارب الحديث في العلاقات بين الشمال والجنوب، والذي بلغ ذروته حين أخفقت