الصفحة 24 من 454

الرأسمالية في المستعمرات التقليدية للدول الغربية في الثمانينيات، وباستثناء الفضاء الياباني في آسيا الشرقية - حيث سلطة الدولة من القوة الكافية بحيث تمكنها من السيطرة على قوة العمل وعلى رأس المال أيضا - فإن اقتصاديات دول الجنوب في هذا المجال كانت منعزلة تماما عن التدهور الذي أصاب السوق. ويمكن أن نشير هنا إلى مثال واحد، فرعوس الأموال التي هربت من أمريكا اللاتينية تعادل قيمة الدين الضخم في هذه الدول، وهي حالة لم تواجهها أسيا الشرقية التي تم فيها إيقاف النزيف الاقتصادي من خلال الرقابة الصارمة.

لقد لاحظت لجنة الجنوب أن هناك اتجاهات للاهتمام بالعالم الثالث من قبل الدول الغربية منذ السبعينيات، والتي حركتها بقوة الاهتمامات الغربية المتزايدة بأهمية الجنوب بعد ارتفاع أسعار النفط في عام 1973 م. وحين انتهت مشكلة أسعار النفط واستعادت التجارة سابق عهدها من مكاسب طويلة المدى لصالح الدول الصناعية، فقدت القوى الصناعية المركزية اهتمامها بالجنوب وعادت إلى شكل جديد من الاستعمار الحديث» وزادت من احتكارها للاقتصاد العالمي وتقويض العناصر الديمقراطية في الأمم المتحدة، واستمرت في ترحيل الجنوب إلى الطبقة الدنيا، ولعل هذا هو المسار الطبيعي للأحداث أخذا في الاعتبار طبيعة العلاقات بين القوى والضعيف وفلسفة ممارسة هذه العلاقات.

وحين راجعت لجنة الجنوب الحالة المأساوية للدول الخاضعة للتأثير الغربي، نادت با «نظام عالمي جديد» قادر على الاستجابة ل «سعى الجنوب نحو العدل والمساواة والديمقراطية في المجتمع العالمي» وإن لم تقدم هذه اللجنة ما يبشر بأمل في تحقيق مسعاها.

وقد ظهر مستقبل هذا السعي حين تمت مراجعة النتائج، ووجد أن الموضوع برمته كان مصيره النسيان. فالغرب تحكمه رؤية أخرى مغايرة، عبر عنها بوضوح ونستون تشرشل في حديثه المبكر عن نظام عالمي جديد، كان يرتب له في أعقاب الحرب العالمية الثانية بقوله: «يجب أن تؤتمن حكومة للعالم تعبر عن الأمم التي لا ترجو لنفسها شيئا أكثر مما بحوزتها. فلو أن حكومة العالم كانت في أيدي شعوب جائعة سيكون الخطر دوما محدقاء وليس لدي أي منا دوافع للسعى لشيء أكثر مما تملكه. يجب أن يتم الحفاظ على السلام من قبل شعوب تعيش على طريقتها دون أن تكون لديها مطامع في الآخرين. إن قوتنا تضعنا فوق الجميع، فنحن أشبه برجال أغنياء يعيشون آمنين في مساكنهم» . (5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت