الصفحة 222 من 454

د. علاقات الشمال بالجنوب والشرق بالغرب

بدون مقدمات، يبدو جليا أن الصورة التقليدية الحرب الباردة، والتي خدمت مصالح واشنطن في الشرق والغرب، لا تستطيع أن تقف أمام الفحص والنقد، ولم تكن يوما قادرة على ذلك. فكثير من القضايا تم تجاهلها، وكثير من المشكلات تركت دون حل، ومن بينها تلك التي راجعناها للتو ونقصد بها الدور المحدود للأبعاد المدنية في الحرب الباردة، وهي الذرائع التي اتخذت الاشعال الصراع بين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة وما بعدها، إذ لم يتغير سوى التكتيكات وبقيت السياسات كما كانت في زمن تلك الحرب.

وبوسعنا الوصول إلى فهم أكثر واقعية للحرب الباردة إذا تبنينا منظورا أبعد في مدى رؤيته ترى فيه تلك الحرب كمرحلة من مراحل القرون الخمسة التي استعمر فيها الأوربيون العالم؛ أي القرون التي تؤرخ للعدوان والهيمنة والرعب التي يسمونها بلغة اليوم «صدام الشمال والجنوب» ، صحيح أنه حدثت بعض التغيرات ذات أهمية مصيرية خلال تلك الفترة، وفي مقدمتها الانتشار الكبير المفاهيم الحرية والعدل الأجتماعي بين المجتمعات الغنية، كنتيجة أساسية لكفاح الشعوب. كما أن أحد التغيرات المحورية الأخرى قد جاء مع الحرب العالمية الثانية، فلأول مرة تتمكن دولة واحدة (الولايات المتحدة) من حيازة كل تلك القوة والثروة بما سمح لمخططيها ومفكريها من صياغة وتنفيذ رؤية كونية شاملة، لكن مع ذلك تظل الأفكار النمطية عما كانت عليه، وفي مقدمتها الرؤية التشرشلية.

فقد أنتجت تلك الرؤية المعالم الرئيسية الصراع الشمال والجنوب. وهو ما نجده بشكل واضح في وثائق التخطيط الأمريكي وترجم على أرض الواقع بإصرار وعزيمة كبرى. ويجب أن يكون مفهوما في المعنى الشامل للتخطيط الكوني بعض النقاط المهمة في صراع الشمال والجنوب، والتي تلقي بمساحة كبيرة من الضوء على فهم حقيقة الحرب الباردة. (198) >

وأول هذه النقاط أن القومية التحررية (سواء كانت قومية متطرفة أو قومية اقتصادية أو قومية راديكالية) هي أشكال غير مقبولة أمريكيا، أيا كان لونها السياسي، فلابد أن تبقى «وظيفة العالم الثالث ممثلة في توفير الخدمات للأغنياء، وأن يقدم العمالة الرخيصة والموارد والأسواق والفرص الاستثمار، ويبقى مستودعا لاستقبال الملوثات و غيرها من الموبقات (كمأوى لغسيل أموال المخدرات وغيرها من العمليات المالية غير الشرعية، ومكان للسياحة و غير ذلك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت