دول العالم الصناعية وبعض من نظرائهم في مجتمعات العالم الثالث التي تقوم دولهم بدور خدمة الدول المنتصرة، كما يشترك في هذا النصر قطاعات رئيسية في الشرق من الذين انضموا الآن إلى موكب المنتصرين. لكن لا يحتفل بهذا النصر غالبية شعوب الشرق التي تحلم بنصر أخر أكثر أهمية حين يسقط فيها الاستبداد. فلأغلبية سكان العالم الثالث كانت نتيجة الحرب الباردة تعميق الكوارث التي يعيشون فيها، كما كان للأغلبية الساحقة من شعوب الغرب مزيد من تقليص
الرفاهية» التي تفاخر رجال الأعمال والصفوة المالية بمدحها حين كانوا يتحدثون عن نمط حياة العمال الغربيين والمدللين». ولعل التداعيات الفعلية تخبرنا بشيء عن حقائق تبدو مختلفة بعد تشويهها من قبل الممسكين بالسلطة والحكم.
وعلى دول الجنوب في عالم ما بعد الحرب الباردة أن تتوقع انتهاكا أكثر لغالبية شعوبها وإن تمكنت بعض القطاعات من الثراء، خاصة من قبل أولئك المرتبطين بسادة الاقتصاد العالمي، ويمكن للولايات المتحدة وزبائنها الحفاظ على حركة أكثر حرية في أساليب العنف التي يتبعونها، فقد أختفي الرادع الذي كان يقف أمامهم، وحتى إن لم تلجأ إلى زيادة العنف فسيكون لأسباب أخرى. فالتغيرات التي شهدتها الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة منذ الستينيات رفعت التكلفة السياسية للتدخل في شئون الدول الأخرى، وهو ما اعترفت به إدارة بوش في إحدى وثائقها على نحو ما أشرنا في مطلع هذه الفصل. كما يقدم تطور الاقتصاد الدولى آليات أكثر فعالية في إتمام السيطرة والهيمنة من دون احتلال، أو تهميش الآخرين اقتصاديا. وبالنسبة لأوربا الشرقية (وبصفة خاصة دولة مثل جمهورية التشيك) فلابد من أن تكون قادرة على إعادة الارتباط بالاقتصاد المتقدم بينما تترك بقية دول الإقليم تسقط في مستويات اقتصادية كالتي يعيش فيها العالم الثالث، ويسهم في ذلك سياسات التعديلات البنيوية التي تصنع بشكل مثالي اقتصادا خاضا لحاجات المستثمرين الأجانب ومجتمعا مؤلفا من طبقتين واحدة للأثرياء تبدو في جزر صغيرة يحيط بها بحر واسع من طبقة الفقراء. ولعل هذا الوضع يوصف غالبا باسم
المعجزة الاقتصادية» وتبدو هذه المعجزة مبهرة كلما كانت أرباح المستثمرين ضخمة بما فيه الكفاية، وكما توقعنا قبل سنين طويلة، تمكنت النخبة الشيوعية الحاكمة سابقا من الانتقال إلى صفوة الأثرياء الجدد حين غيرت ولاءها من ولاء السلطة الدولة السوفيتية إلى ولاء لطبقة رجال الأعمال الدولية وأصحاب المصالح المالية. ولعل كل هذه التطورات تقدم أسلحة واعدة جديدة يمكن بها مواجهة غالبية السكان في الغرب بالمثل، وهو موضوع ستعود إليه فيما بعد.