ومن المعروف أن المجتمعات الصناعية الناجحة تعتمد بشكل مستمر على التخفف من قيود السوق وإدانة ضحاياهم بقوانين السوق أيضا. ومنذ العمل الفكري الذي قدمه ألكسندر جير شينكرون صار مفهوما على نطاق واسع أن المطورين المحدثين» فن اعتمدوا على أساليب أسلافهم التي تقوم على تدخل الدولة في الاقتصاد و مراقبة التنمية والتطوير. ولعل أهمية القضية تستوجب استدعاء بعض صور التاريخ.
يخبرنا جون مينيرد كينيز أن «الاستثمارات والارتباطات التجارية الخارجية البريطانيا بنيت على أساس القرصنة التي قام بها النهابون في عهد
إليزابيث»، الإرهابيون بلغة اليوم. وبحسب ما خلص إليه روبرت برينير في دراسة له عن الثورة الإنجليزية فقد شهد منتصف القرن السابع عشر تشكيل فريق من القادة العسكريين والساسة ومسئولى الحكومة يدعمون تأمين السيادة البريطانية على البحر المتوسط بما يرسخ القوة التجارية الإنجليزية عبر قارات العالم خلال القرن المقبل». وفي نفس الوقت كانت بريطانيا تهيمن على المحيط الهندي ينقس أسباب القوة التجارية، الأمر الذي مهد لها بسط نفوذها على أسيا الجنوبية برمتها. وكان أكبر إنجاز حققته الثورة هو زيادة الدعم الحكومي التطور التجاري بما سهل لبريطانية التغلب على منافسيها الهولنديين والألمان والإيطاليين والبلجيك وإخراجهم من الحلبة، وقد كان غزو بريطانيا للهند قد
جلب لها أرباحا هائلة في القرن 18، في الوقت الذي وسعت الدولة من هيمنتها بشكل لم يكن له مثيل وفاق كافة ما وصل إليه منافسوها في القارة الأوربية. «
وقد اتبع الاستعمار الأمريكي مسارا مشابها، وانتقل من أسلوب القرصنة والإرهاب في الزمن الاستعماري إلى تدخل الدولة بشكل سافر في الحياة الاقتصادية بعد الاستقلال، واستولت الدولة على الموارد والأسواق. وبحسب ما يلاحظ المؤرخ تشارلز سيليرز في دراسة حديثة ثاقبة فإنه بمجرد أن وصل الجمهوريون (الديمقراطيون فيما بعد إلى السلطة تبنوا البرنامج الفدرالي الذي كانوا قد عارضوه من قبل تحت دعوى الديمقراطية الشعبية، وقاموا بإنشاء دولة مركزية في التنمية أعلنت التزامها بإتاحة الفرصة لخلق وتدعيم المنتجات الصناعية المحلية والتجارة الداخلية، ودعم الإنتاج المحلى وحظر دخول السلع البريطانية الرخيصة، وهيكلة أساس قانوني لسلطة الشركات المحلية. لكن ما أنجزوه لم يكن أكثر من ترتيب المسرح لأصحاب المشاريع وتوفير الضمان للمشروعات التجارية الخاصة من التدخل الحكومي باسم الديمقراطية».(0)