أيضا ألا تعطلنا الشعارات المثالية حول «تقديم النفع والخير للعالم، ولابد أن نأخذ بنصيحة كينان إذا أردنا الحفاظ على ذلك التفاوت الذي يفصلنا كأغنياء عن ذلك المحيط الهائل من الفقراء» ..
هكذا أتبعت الولايات المتحدة سياستها في مقاومة الديمقراطية في العالم الثالث مع مناوبة في أساليب الإرهاب بهدف تهميش وتدمير المنظمات الشعبية، وقد استمد ذلك كله من مبدأ مواجهة «القومية الاقتصادية» التي كانت تنتشر بكثافة تحت الضغوط الشعبية. وكانت هذه الممارسات، المستقلة تماما عن سياق الحرب الباردة بمثابة المظاهر الأكثر بروزا في السياسة الأمريكية. وهناك العديد من الأسباب التي تجعلنا نتوقع استمرارها,
وكما ناقشنا من قبل صارت بدعة القومية المستقلة مع ما وضعته من أولويات قاطعة - حين قدمت الجماهير على المستثمرين الأجانب - بمثابة التهديد الأخطر
للأمن القومية للولايات المتحدة، حيث تعرض «الاستقراره لتهديد الحركات الاستقلالية الناجحة. وقد انعكست هذه المخاوف في الوثائق الداخلية للإدارة الأمريكية، فحين كانت واشنطن نحضر لقلب التجربة الديمقراطية الناجحة قصيرة العمر في جواتيمالا عام 1954 م كان أحد المسئولين في الخارجية الأمريكية يحذر من أن جواتيمالا صارت «تهديدا متزايدا للاستقرار لكل من هندوراس والسلفادوره، قالإصلاحات الزراعية التي تقوم بها بمثابة «سلاح دعائي شديد الخطورة، وبرنامجها الاجتماعي الواسع الهادف إلى مساعدة العمال والفلاحين في صراعهم ضد الطبقات الثرية وضد المشروعات الاستثمارية الأجنبية قد نال إعجاب سكان الدول المجاورة التي تسود فيها نقص الظروف» ، ومن ثم فإن الاستقرار كان يعني لواشنطن «أمن الطبقات الثرية وأمن المستثمرين الأجانب» ؛ وهو ما يجمع معا في مصطلح «المصلحة القومية الولايات المتحدة» .
وفي مخططات ما بعد الحرب، بقي مصير الجنوب كما كان قبل الحرب، وإن كان قد تم الآن تنسيقه ضمن الهيكل العام للعولمة الليبرالية، والتي تم تعديلها حسب مصالح المستثمرين الأمريكيين والشركات الأمريكية، ونضرب جذور الصراع بين العالم الثالث المستقل والولايات المتحدة في تربية النظام العالمى الجديد القائم على اللجوء للعنف والحرب الاقتصادية التي تشنها واشنطن تبعا اللمبادئ الاستعمارية الأصولية