الحديث عن مكة لا ينفصل عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل. حيث أنه أسكن ذريته بهذا الوادي غير ذي الزرع عند بيت الله المحرم راجيا منه سبحانه أن يجعل أفئدة الناس تهوي إلى هذه البقعة وأن يجعل ذريته من المقيمين الصلاة والشاركين لنعم الله تعالى. وحدثنا القرآن الكريم عن دعاء إبراهيم هذا، قال تعالى: چرَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَچ [1] . فالناس في مكة هم من ذرية إبراهيم عليه السلام وقد كانوا قبل حضور الصنم إلى مكة على عبادة الله سبحانه وتعالى وتوحيده. فلما طال عليهم الدهر، نسوا ما كان عليه أجدادهم من شعائر الدين وتوحيد الله سبحانه وتعالى فانتقلوا من عبادة الله إلى عبادة الأصنام والأوثان. ولكن البعض القليل منهم من كان على الدين الحنيف وهو دين إبراهيم عليه السلام القائم على توحيد الله سبحانه. وهناك ديانة أخرى في جزيرة العرب خارج مكة كالمسيحية في اليمن واليهودية في المدينة المنورة.
وقيل إن الذي جاء بالصنم إلى مكة لأول مرة - وأصبحت إلها يعبد - وأدخلها في الكعبة كان رجلا يدعى عمرو بن لحي رئيس بني خزاعة. كان هذا الرجل معروفا بالخير والصلاح والصدقة والحرص على أمور الدين فأحبه الناس ودانوا له. فلما سافر إلى الشام رأى أهلها يعبدون الأصنام فاستحسن هذا العمل وظن أنه عمل خير لأن الشام محل الرسل والأنبياء وظن أن هذا العمل تراث ورثه الأنبياء السابقون لأجيالهم. وعندما رجع إلى مكة، جاء بصنم يقال له هبل وأدخله في جوف الكعبة ودعا الناس إلى عبادته فاستجابه الناس فعبدوا الصنم، فمنذ ذلك الحين انتشرت عبادة الأوثان في مكة ثم تسربت إلى خارجها من القرى المتجاورة وفي شبه الجزيرة العربية عموما نظرا إلى أن أهل مكة هم ولاة البيت الحرام وبيدهم مفتاح باب الكعبة المشرفة، فهذا هو بداية الشرك وعبادة الأصنام في مكة المكرمة.
(1) سورة إبراهيم 14/ 37