الله سبحانه وتعالى يعرف نفسه لعباده في كتابه، ويعرف النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا ربه جل وعلا لعباده حتى يعرفوا المقدار، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أترون ما أرى؟ أتسمعون ما أسمع؟ أطت السماء وحق له أن تئط, ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو راكع) ، هذا تعريف من النبي عليه الصلاة والسلام ببيان كثرة المخلوقين والعابدين لله جل وعلا, مما لو علم الإنسان حالهم لاستحقر عبوديته لله، واستضعف نفسه من جهة قدرته، وما يرى مما يؤتيه الله عز وجل من قدره احتقر حينئذ ذلك. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه علم من الله ما لم يعلمه غيره، وعلمه الله عز وجل بالمشاهدة ما لم يعلمه غيره، فأسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فكلمه الله عز وجل بلا حجاب. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) ، يعني: مما ترون من انبهار بهذه العظمة؛ ولهذا من رحمة الله أن الله عز وجل لا يظهر عظمته كلها للبشرية والناس، لماذا؟ لضعفهم عن استيعابها، وإنما جعلهم الله عز وجل في دائرة ضيقة؛ لهذا من الناس من لا يدرك إلا موضع قدميه. ومن الناس من يعيش في قرية، ويظن أن الدنيا هي القرية, وهي مملكة الكون، ومن الناس من يعيش في بلدة ودولة، ويرى أن دولته هي أقوى الدول لا يرى غيرها، ومن الناس من يظن أن الخليقة كلها تجتمع في الأرض، وما عدا ذلك لا يوجد خلق؛ لأنه يعيش في دائرة ضيقة من العلم فظن أن ما عداها عدم؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى يعرف نفسه بعباده بسعة مخلوقاته، يأمرهم بالتأمل والتفكر.