ثم أيضًا من أمر المنافع: أن الإنسان يحتقر ما يبذل في جنب الله، يبذل الإنسان في جنب الله إذا عرف عظمة الله بمقدار المعظم تبذل، لماذا؟ لأنك تسترخص النفس للعظيم, الإنسان إذا كان لديه هم في قضية معينة، ويعلم أنه في سبيلها سيشاك شوكة، سار إليه ولو شاكته شوكه، ولكن إذا كانت حقيرة، ويعلم أنه إذا مشى إليها حافيًا ولو على رخام أو على تراب لا يصل إليه أذى ما ذهب إليها؛ لأنها محتقرة عنده، وليست عظيمة. فمن بحث عن حذائه ولم يجده ما ذهب إليه, وإن كان يبعد عنه أمتارًا إذا لم تكن له قيمة، فلو كان له قيمة عنده وبينه وبينه حجارة وشوك ولأواء, فإن عزيمته تتحمل الأذى بمقدار المعظم. ولهذا الناس يبحثون عن وظائف، أول ما يسأل: كم المرتب؟ إذا جاء المرتب عاليًا زاد لذلك الجهد، وإذا كان في ذلك عاليًا شديدًا فإنهم حتى لو كلفوه في العمل ما لا يطيق, فإنه ينفر من ذلك لماذا؟ لأن الغاية عظيمة؛ لأنه يسعى إلى معظم عنده؛ لهذا من عرف عظمة الله، رأى أن عبوديته قليلة لصاحب تلك العظمة سبحانه وتعالى، وما حصل من بلاء واختبار يستصغره في جنب الله سبحانه وتعالى؛ لهذا جعل الله الأنبياء أشد الناس ثباتًا، لماذا؟ لأنهم أعلم الناس بالله، وعرف الله عز وجل نفسه إليهم مالم يعرف نفسه لغيرهم, لماذا؟ لأنهم يكابدون الدعوة، ويكابدون الرسالة، ويجدون من الناس أيضًا أذية، فعرف الله عز وجل نفسه إليهم فعظم في قلوبهم, واحتقروا ملوك الأرض وأموالها وإغراءها. ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت عليه كنوز الأرض، وخير أيضًا بين الخلود في الدنيا وأن يعطى عطاء ملوك الدنيا, أعلى ملك في الدنيا وأن يخلد فيها، يعني: ثمة خلود لا موت، أو يكون ثمة موت، فاختار الموت ولقاء الله؛ لأنه عرف عظمة الله ومجاورة الله.