1 -ما عنون له البخاري رضي الله عنه بقوله"باب لحم الدجاج"·
أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجًا" (64) ·
ووجه الدلالة من ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم لا يأكل إلا طيبًا ولا يقرب طعامًا فيه كراهة، فقد امتنع عن أكل طعام أبي أيوب الأنصاري لأن طعامه فيه بصل، ولا تناسب رائحته مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام، كما أنه صلى الله عليه وسلم توقف عن أكل الضب وعافته نفسه، وأكله خالد بن الوليد رضي الله عنه بحضرته صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه لا يأكل شيئًا محرمًا أو مكروهًا ·
وبناء على ذلك، فأكله صلى الله عليه وسلم للدجاج يدل على إباحته وعدم حرمته أو كراهته ·
2 -حديث أيوب بن أبي تميمة عن القاسم بن زهدم قال: كنا عند أبي موسى الأشعري، وكان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخاء، فأتي بطعام فيه لحم دجاج وفي القوم رجل جالس أحمر، فلم يدن من طعامه فقال: ادن فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منه (65) ، وفي رواية لزهدم قال: رأيت أبا موسى يأكل الدجاج فدعاني فقلت إني رأيته يأكل نتنًا قال: أدنه فكل (66) ·
ومعلوم أن دجاج ذلك الزمان كان يلتقط النجاسة ويعتاش عليها، وبناء على ما تقدم فقد ذكر صاحب المجموع أن الفقهاء لم يروا في حل الدجاج خلافًا يذكر (67) ·
3 -القاعدة الشرعية في الدلالة المستمرة: أن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة (68) ·
وهذا يعني بقاء الحكم على الحال التي كان عليها الشيء من قبل حتى يقوم دليل على تغير ذلك الحكم، أو هو جعل الحكم الذي كان ثابتًا في الماضي باقيًا في الحال حتى يقوم دليل على تغيره ·
فإذا سئل المجتهد عن حكم حيوان أو طعام أو شراب ولم يجد دليلًا شرعيًا على حكمه، حكم بإباحته، لأن الإباحة هي الأصل ما لم يقم دليل على خلافها (69) ·
فالدجاج باق على إباحته الأصلية لو لم يكن هناك نص بالإباحة، فكيف وقد ثبتت إباحته بالأدلة الشرعية، حيث إنه لا حكم للأشياء عند أهل السنة إلا للشرع، فهو المرجع الأساس في التحليل والتحريم لقوله تعالى: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه ···· (70) الآية ·
وهذا يؤذن بأن الوحي هو صاحب القرار في التشريع بعد البعثة وليس هو العقل بتحسينه للأشياء أو تقبيحه لها (71) ·
وهذه هي القاعدة التي نحن بصددها مبنية على نصوص كثيرة منها:
قوله تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعًا (72) · ووجه الدلالة من الآية: أن (ما) عامة في كل شيء، واللام في قوله (لكم) ، تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع، فتكون الآية دالة على أن الانتفاع بجميع الأشياء التي لم يقم دليل على منعها بخصوصها مأذون فيه - أي مباح - لأن اللام هي مناط الاستدلال للإباحة (73) ، وهذه الإباحة تشعر بالامتنان، ولا تكون المنة إلا بما ينفع ·
ومنها قوله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق (74) · ووجه الدلالة من ذلك: أن الاستفهام إنكاري وليس حقيقيًا، وهو بذلك يستنكر تحريم الزينة والطيبات، وهذا يعني إباحتها وهو المطلوب (75) ·
ومنها قوله تعالى: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به (76) ·