وأباح ما زاد عن حد الضرورة ما لم يصل إلى درجة الإسراف ·
ولما لهذا المعنى من أهمية فقد ربط القرآن الكريم في آياته الكريمة طيب المأكل بالعمل الصالح لما بينهما من تلازم في حياة المسلم وسلوكه ·
حيث أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا (4) وقال أيضًا: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (5) كما أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم جعل معيار قبول الدعاء تحري الحلال في المطاعم والمشارب والملابس، فذكر في حديث طويل (···· الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) (6) ·
المبحث الأول
مرجعية التحليل والتحريم في الأطعمة
المطلب الأول:
المرجعية في التحليل والتحريم عند غير المسلمين ·
لم يكن للتحليل والتحريم عند غير المسلمين أساس شرعي ولا ضابط يحدد مدى التحليل والتحريم، بل كان مرجعهم هو الهوى والجهل والخرافة، ومعاندة الفطرة السليمة ·
وعندما تنزلت الكتب السماوية على الرسل الكرام عليهم السلام، حرمت ما كان مخالفًا للفطرة السليمة، إلا أن المعاندين استمروا على عنادهم وضلالهم وخرافاتهم ·
فبالنسبة لليهود مثلًا: يقول سبحانه وتعالى: كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (7) ، فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (4) ، قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين (8) ·
والمعنى والله أعلم، أن جميع أنواع الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل إلا ما حرمه يعقوب على نفسه، وهو لحم الإبل ولبنها، ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة لهم على معاصيهم، كما ورد في قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ·· إلى قوله تعالى: ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (9) ·
ولذلك تحداهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأتوا بالتوراة ليقرؤوها إن كانوا صادقين في دعواهم عدم تحريمها، بسبب بغيهم وظلمهم ·
فلم يجرؤ أحد منهم على إخراج التوراة، وقامت الحجة عليهم بأنهم ظالمون وأن الشرع الصادق هو ما شرعه الله وأوحى به إلى إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين (10) ·
وبالنسبة للوثنيين والمشركين: فقد وصفهم رب العزة بقوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (11) ·
فهذا يعني أن مشركي قريش سمحوا لأنفسهم بالتحليل والتحريم لكثير من نعم الله التي ذرأها وأوجدها لهم، فجعلوا لله من الأنعام والزروع نصيبًا ينفقونه على الفقراء، وجعلوا لشركائهم من الأوثان نصيبًا آخر ينفقونه على سدنتها، بحجة أن