الصفحة 3 من 17

الله غني والأصنام أحوج، ساء ما يحكمون، وهو ذم وتوبيخ من الله جل جلاله لهم على هذا الحكم الجائر في التحليل والتحريم (12) ، وهذا من الشرك في التشريع الذي هو حق لله وحده جل جلاله ·

المطلب الثاني:

المرجعية في التحليل والتحريم عند المسلمين:

من المقرر في مباحث الحكم من علم أصول الفقه الإسلامي عند أهل السنة، أنه لا حكم للأشياء قبل البعثة، وأن أمرها موقوف إلى ورود الشرع لا إلى العقل كما هو الحال عند المعتزلة (13) ، لأن حكم الشرع عند الأصوليين هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين طلبًا أو تخييرًا أو وضعًا ·

وهو عند الفقهاء:

مقتضى خطاب الشارع في الفعل كالوجوب والحرمة والإباحة (14) ·

ومن المقرر في علم الأصول عند الجمهور أن الأصل في المنافع الإباحة، سواء كانت الإباحة مبنية على النص الشرعي كقوله تعالى: ····· كلوا من الطيبات (15) أو كانت الإباحة مبنية على البراءة الأصلية عند عدم ورود نص أو عدم ضرر (16) · والمراد بالمنافع الأشياء النافعة للإنسان، لأن الأصل فيها الإذن في استعمالها إلى أن يرد الدليل بتحريمها، لعموم قوله تعالى: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه (17) · قال الشافعي رحمه الله: أي مما كنتم تأكلون (6) ، وقوله تعالى: يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات (18) ·

كما أن المراد بالمضار: كل ما فيه ضرر على الإنسان، إذ الأصل فيه المنع ما لم يرد الدليل على الجواز، لعموم قوله تعالى: ··· إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به (19) · وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) (20) ·

فمن خلال هذه النصوص وغيرها يستدل على منع الضرر مطلقًا في الإسلام، وأنه لا يجوز تناول ما فيه ضرر من مطعومات ومشروبات، ولذا فقد صنف فقهاء المذاهب في المطعومات كتبًا وأفردوا لها أبوابًا، وفصلوا أحكامها تفصيلًا ينبئ عن مدى عنايتهم وكبير اهتمامهم بما يأكله الآدميون، مستندين في ذلك إلى الأصول من الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، متجردين من العوائد وحب الهوى والشرك والبدع·

وقد بين الإسلام الأساس الذي يقوم عليه مبدأ التحريم والتحليل في الأطعمة، وفصله وبينه بيانًا وافيًا، مصداقًا لقوله تعالى: وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ·· (21) ·

فالاستطابة والتلذذ ليسا كافيين لتحليل الشيء أو إباحته، فقد يلتذ الإنسان بما يضره أو يمنعه منه الطبيب ·

كما أن الاستطابة ليست استطابة أمة دون غيرها، فالشيء قد يوجد في مكان ولا يوجد في غيره، لأن الحكم على الأشياء هو للشريعة وليس للبشر، فقد كان أكل الدم والميتة وشرب الخمور مستطابًا عند بعض بني البشر، لكن الله حرم ذلك على الجميع (22) ، وقد قيل لبعض العرب: ما تأكلون؟ قال: ما دب ودرج إلا أم حبين، فقال: ليهن أم حبين العافية (23) (24) ، لذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبح للعرب كل ما كانوا يألفونه، ولم يحرم عليهم كل ما كانوا يكرهونه، بل أحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث لقوله تعالى: ··· ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث··· (25) ومن ذلك كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير فإنها عادية، فإذا أكلها الناس صار في أخلاقهم من أخلاق هذه البهائم والسباع من البغي والعدوان ما هو مذموم (26) شرعًا وطبعًا ·

كما حرم الدم المسفوح، لأنه يورث في النفس شهوة الغضب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت