الصفحة 8 من 17

ذلك الحلال الطاهر، بل قد صار شيئًا آخر ذا حكم آخر، كالعصير يصير خمرًا أو الخمر تصير خلًا أو لحم الخنزير تأكله دجاجة، فيستحيل فيها لحم دجاج حلالًا، وكالماء يصير بولًا والطعام يصير عذرة والعذرة والبول تخلط بهما الأرض فيعود ثمرة حلالًا (60) ·

وأيد ابن تيمية القول بتطهير الاستحالة قائلًا: فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظًا ولا معنى فليست محرمة ولا في معنى التحريم، فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحل فإنها من الطيبات، وأيضًا في معنى ما اتفق على حله، فالنص والقياس يقتضيان تحليلها، وعلى هذا استحالة الدم أو الميتة أو لحم الخنزير وكل عين نجسة استحالت إلى عين ثانية بما في ذلك الخمر، فالدم متحول عن أعيان طاهرة وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس متحول عن مادة طاهرة مخلوقة ·

وأيضًا فإن الله حرم الخبائث لما فيها من وصف الخبث، كما أنه أباح الطيبات لما قام فيها من وصف الطيب ·

أما هذه الأعيان المتحولة فليس فيها شيء من وصف الخبث بل فيها وصف الطيبات (61) ·

أما ابن القيم فقد وافق الجمهور فيما ذهبوا إليه معتمدًا في ذلك على مبدأ تغير الوصف الملازم للشيء بقوله: وعلى هذا الأصل، فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس، فإنها - أي الخمرة - نجسة لوصف الخبث، فإذا زال الموجب زال الموجب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها، بل أصل الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة الجلالة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست وعلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها، وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت، لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب، وعكس هذا، أن الطيب إذا استحال خبيثًا صار نجسًا كالماء والطعام إذا استحال بولًا وعذرة، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثًا ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبًا؟! (62) ·

والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل بل بوصف الشيء نفسه، ومن الممتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ووصفه، والحكم تابع للاسم، والوصف دائر معه وجودًا وعدمًا، فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزرع والثمار والرماد والملح والتراب والخل، لا لفظًا ولا معنى ولا نصًا ولا قياسًا ·

والمفرقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة، فيقال لهم: وهكذا الدم والبول والعذرة إنما نجست بالاستحالة فتطهر بالاستحالة، فظهر أن القياس مع النصوص وان مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص · أ - هـ (63) ·

والخلاصة في الاستحالة:

أن هناك أعيانًا اتفق الفقهاء على طهارتها بالاستحالة وهي الخمر إذا تخللت، وذلك بناء على النص الصحيح، لكن الفقهاء اختلفوا حول شرط تخللها بنفسها أو بفعل خارجي عنها ·

وهناك أعيان اختلف في حكم استحالتها بالحرق أو خلطها بأعيان طاهرة، أو بتغير صفتها ·

مثال ذلك: تحول عظام الميتة إلى رماد أو دخان بالاحتراق، أو تحول العذرة إلى رماد بالاحتراق ·

فالشافعية والحنابلة: قالوا ببقاء نجاستها كما كانت قبل تحولها ·

أما الأحناف والمالكية ومن معهم كالظاهرية وابن تيمية وابن قيم الجوزية فقد قالوا بتغير حكمها حسب تغير وصفها وخصائصها، بمعنى أنه لا يمنع من تناولها أكلًا أو مداواة أو نحو ذلك إلا إذا ثبت ضررها بدنيًا أو عقليًا، لأن ما ثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت