ووجه الدلالة من ذلك: أن الله جل جلاله قال: قل يا محمد للذين يحرمون من عند أنفسهم، لا أجد من المطعومات شيئًا محرمًا غير هذه الأصناف الأربعة، فيكون ما عداها مباحًا ما لم يقم دليل التحريم على غيرها، كالمنخنقة والموقوذة وغيرها، وبذا يكون الدجاج داخلًا في الحل فيما عدا المستثنيات الأربعة في الآية الكريمة ·
: من المعقول:
1 -إن نسبة المركبات النجسة إلى مجموع الخلطة العلفية التي تقدم للحيوانات أو الدجاج لا تزيد على عشرة من مائة 10%، وهي نسبة قليلة لا تأخذ حكم الأغلبية، وقد بينت الدراسات التي تقدم ذكرها، أن الأعلاف البروتينية، كالمساحيق والدم والعظام والحوافر وغيرها، تساوي ستة وثلاثين ألف طن (36000) طن من مجموع كمية المواد الأخرى من ذرة صفراء، وقول، ونخالة، والتي تبلغ ثمانين وثلاثمائة ألف طن (380000) طن تستهلكه مزارع الدواجن في الأردن سنويًا ·
2 -إن الأعلاف التي تحتوي على مركبات الدم والعظم والحوافر، والتي لا تزيد نسبتها عن 10% من المركبات البروتينية، تعالج بطحنها وطبخها على درجة حرارة عالية، تبلغ ثمانين ومائة 180 درجة، حتى لا يبقى أثر للمكروبات الضارة فيها، ثم تجفف وتعالج بالوسائل العلمية المتطورة ·
وهذه المعالجات العلمية المتطورة، تحول المواد النجسة إلى أعلاف طاهرة، حيث إن الاستحالة تغير اسم الشيء ووصفه وماهيته، إلى اسم جديد وتركيبة جديدة، ويستتبع ذلك كله، تغير الحكم القديم إلى حكم جديد وهذه هي الاستحالة التي تؤثر في تحويل النجاسات إلى طاهرات عند كثير من الفقهاء الذين رجحت الأدلة مذهبهم كما تقدم ·
فأدلة تحريم السرجين لنجاسته لا تتناول الثمار التي تغذت بها، والنصوص التي تحرم الميتة لا تتناول الملح الذي وقعت فيه وصارت منه، والأدلة التي تحرم ألبان الأتان لا تتناول السخلة التي رضعت من لبنها، لا لفظًا ولا معنى ولا نصًا ولا قياسًا·
3 -إن إباحة دجاج المزارع وحيواناتها تقاس على إباحة لحم الضبع، فإن غالب عيشه يكون على ما يصطاده من الحيوانات أو يجده من الميتات، وهو مع ذلك مباح الأكل عند كل من الشافعية والحنابلة وغيرهم (77) ، مستندين في ذلك إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (الضبع صيد يؤكل وفيه كبش إذا صاده المحرم) (78) وما ورد عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله:"إن الناس كانوا يأكلونه ويبيعونه بين الصفا والمروة" (79) ·
4 -إن إباحة دجاج المزارع تقاس على إباحة لحم الحيوانات الجلالة، فهي حيوانات مباحة في أصلها، لكنها تتغذى غالب أوقاتها على القاذورات التي هي فضلات الحيوانات من آدميين وغيرهم، وأقصى ما يمكن أن يقال فيها الكراهة، خلافًا لبعض الحنابلة ومن تبعهم ممن قال بحرمتها، ولما كانت الجلالة تعتبر أصلًا في أحكامها لدجاج المزارع وحيواناتها، فإنه من المناسب أن نتناولها بشيء من التفصيل لبيان ما يلي:
معناها لغة واصطلاحًا وآراء الفقهاء وأدلتهم وسبب اختلافهم في حكمها ·
الجلالة:
الجلالة لغة: على وزن فعالة بالتشديد نسبة إلى الجلة التي هي البعر ونحوه، أي: فضلة الحيوانات، وهي النجسة ·
والجلالة: هي البقر أو الضأن أو الدجاج الذي يأكل الجلة (80) ·
يقال: أكلت الدابة الجلة وأجلتها، فهي جالة وجلالة (81) ·
والجلالة اصطلاحًا عند الحنفية: اسم يطلق على الدابة التي تعتمد أكل الجيف فقط، فيتغير لحمها ويكون منتنًا (82) ،