وذكرها الحنفية بذكر تأثيرها فقالوا: التطهير يكون بانقلاب العين (43) ، حيث جعلوا الاستحالة علة لتطهير العين النجسة ·
ومن خلال هذه التعريفات والتعليلات يمكن القول: بأن الاستحالة تكون باختفاء صورة العين وتغير صفتها وتركيبها إلى صفة أخرى، سواء كانت تلك الاستحالة بالتحريق أو التخليل أو خلط النجاسة بالطاهرات ·
حكم الاستحالة:
اختلفت آراء الفقهاء في حكم التطهير بالاستحالة للأعيان النجسة، لكنهم فرقوا مع ذلك بين استحالة الخمرة واستحالة غيرها على النحو الآتي:
اتفقت آراء المذاهب، على أن الخمرة إذا انقلبت عينًا أخرى بالتخلل صارت طاهرة على وفق القياس، لأن الوصف الذي أكسبها التحريم قد تغير، فتغير حكمها لذلك، وينبغي تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، كما تطهر الجلود بالدباغ (44) ، لكن بعض الفقهاء حصر التغير المطهر في حالة واحدة وهي تخللها بنفسها، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة (45) ، وبعضهم أطلق الوصف فقال بطهارتها سواء تخللت بنفسها أو بالمعالجة، وإليه ذهب الحنفية والمالكية (46) ، لأن كثيرًا من الوسائل تأخذ حكم الغايات، والغاية هنا هي التطهير، ومهما كانت الوسيلة إلى التطهير فلا بأس بها، فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل وجب أن يكون حلالًا كيفما انتقل ·
أما الأعيان الأخرى غير الخمرة؛ فللفقهاء في حكم استحالتها عدة آراء أهمها:
الأول: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب وأبو يوسف وهو: أن الاستحالة لا تطهر النجاسة ولا تؤثر فيها مهما استحالت تلك العين وصارت أعيانًا أخرى (47) · ويلزم من ذلك بطلان أي عمل بغرض تحويل النجس إلى طاهر عن قصد أو عن غير قصد، فلو أحرقت النجاسة فصارت رمادًا، أو وقع الخنزير في ملاحة فصار ملحًا، أو تصاعد دخان النجاسة المحروقة فأثر في غيره كان ذلك نجسًا (48) ، والفرق بين ذلك وبين استحالة الخمرة، أن الخمرة كانت نجاستها لمعنى فيها وقد زال ذلك المعنى، أما النجاسة هنا فهي عينية لا تزول، كما أن الخمرة نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف غيرها ·
الثاني: ما ذهب إليه المالكية وكثير من مشايخ الحنفية عدا أبا يوسف وقول عند الإمام أحمد وابن تيمية والظاهرية (49) ·
أن الاستحالة تطهر النجس وتحله إذا تغيرت أوصاف النجاسة وحقيقتها لأن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بانتفاء كلها؟ كالعذرة تصير ترابًا، والخشبة المنتجسة تصير رمادًا فيلزم أن تكون الاستحالة مباحة وسببًا لحصول حال متقوم ·
الأدلة:
1 -ما روي أن أبا طلحة رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا فقال: (أهرقها) ، فقال: أفلا أخللها؟ قال: (لا) (50) ، وفي رواية: فقيل: إنهم فقراء، فقال: (سيغنيهم الله من فضله) ·
فدل النهي على أن التخليل لا يجوز، ولو جاز لندبه إليه صلى الله عليه وسلم، لأن فيه مصلحة للأيتام، حيث كانوا ورثوها قبل التحريم، فلم يكونوا عصاة بذلك (51) ·
2 -عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلًا؟ فقال: (لا) (52) · فدل الحديث على النهي عن اتخاذ الخمر خلًا، ولا فرق بين الخمر وغيرها ·