الصفحة 17 من 34

"أما في حج الفريضة فأرجو، لأنها تخرج إليه مع النساء ومع كل من أمنته، وأما في غيرها فلا" (4) ·

وأدلتهم: أنه إذا تعارض عمومان فلا بد من مرجح خارجي، وقد تعارض عموم قول الله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا فهو عام في الرجال والنساء، ومقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت فقد وجب الحج على الجميع، وعموم هذا مُعَارض بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع محرم) وهو عام في كل سفر، فيدخل فيه سفر الحج، وقد رجح الشافعية تخصيص عموم الحديث بعموم الآية، بمرجح خارجي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (لا تمنع إماء الله مساجد الله) (5) وقد رد ابن حجر الشافعي على هذا الترجيح فقال (6) :"وليس ذلك بجيد، لكونه عامًا في المساجد، فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى سفر بأحاديث النهي"·

كما استدلوا بحديث عدي السابق، في الظعينة تؤم الكعبة بلا جوار، وقد رُدّ بأنه إخبار عن واقع، ووجود ذلك الأمر لا يدل على جواز، وأجيب على ذلك، بأنه خبر في سياق المدح، ورفع منار الإسلام، فيحمل على الجواز ·

ويمكن الاستدلال للشافعية بما روى البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أذن لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالحج، في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (1) ، وفي الأثر أن عثمان كان يسير أمامهن، وعبد الرحمن خلفهن، وإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب، وجلسا بطرف الشعب، كيلا يصعد إليهن أحد ·

وروى ابن سعد (2) بإسناد صحيح، من طريق أبي إسحاق السبيعي قال:"رأيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم، حججن في هوادج عليها الطيالسة، زمن المغيرة"، والمراد زمن ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة لمعاوية، أي سنة خمسين أو قبلها ·

ولا شك أن حجهن هذا كله تطوع، وبلا محرم، بل بصحبة بعضهن بعضًا، وإشراف ثقات، قال ابن حجر (3) :"واستُدِل به - أي حديث عمر بن الخطاب - على جواز حج المرأة بغير محرم، وإذا كان هذا في التطوع، فالفريضة أولى ·"

وروى البخاري (4) عن عائشة رضي الله عنها قالت:"قلت يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: (لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور) قالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال ابن حجر (5) واستدل بحديث عائشة هذا على جواز حج المرأة مع من تثق به، ولو لم يكن زوجًا ولا محرمًا ·

وقول ابن حجر هذا غير مُسَلّم به، إلا أن يثبت أنها حجت دون أحد من إخوانها أو محارمها،

(4) المرجع السابق ·

(5) صحيح البخاري كتاب 11 باب 31 ·

(6) فتح الباري ج 4 ص 77 ·

(1) البخاري كتاب جزاء الصيد باب حج النساء ·

(2) فتح الباري ج 4 ص 37 ·

(3) فتح الباري ج 4 ص 47 ·

(4) البخاري كتاب جزاء الصيد باب حج النساء ·

(5) فتح الباري ج 4 ص 57 ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت