دائنه، ناسيًا للدين، ولم يذكره إلا في أثناء الطريق، ولا يمكنه الوفاء إلا من البلد التي يقصدها، وكان هذا المسافر يترخص بالقصر والجمع، فهل يقضي ما قصر، وما جمع تقديمًا؟ فأجاب رحمه الله:"إذا تذكر في أثناء الطريق، ولم يمكنه إرسال الدين لدائنه، بنفسه ولا وكيله لخوف أو نحوه، فهو ليس بآثم، فيترخص بالقصر وغيره، ولا قضاء عليه، إلى أن ينتهي سفره، أو يقدر على الإرسال، وإذا قدر في أثناء الطريق بنفسه أو وكيله الثقة، ولم يكن في الطريق نحو خوف، وجب عليه إرساله فورًا، ومتى أخره عصى بسفره إلى جهة مقصده، وامتنع عليه الرخص مطلقًا" (1) ·
وصرح النووي أن للدائن منعه وحبسه، حتى يفي بالدين الحالّ، إذا كان موسرًا (2) · وقد فرق عامة الفقهاء (3) بين الدين الحال والدين المؤجل، كما فرقوا بين المدين المليء والمدين المعسر، والسفر المأمون والسفر المخوف · قال ابن نجيم:"ويحرم السفر على المديون إلا بإذن الدائن، إلا إذا كان الدين مؤجلًا" (4) ، وألحق السيوطي الدين المؤجل بالدين الحالّ، إذا كان السفر مخوفًا (5) ، أو طويلًا يمكن أن يحل الدين في أثناء سفره"، واستثنى الشافعية ما لو غلب على ظن المدين إذن الدائن لو استأذنه، فقال ابن حجر الهيثمي بجواز السفر، فيما إذا غلب على ظنه أنه لو علم به لم يمنعه، سواء كان المال قليلًا أم كثيرًا، بشرط أن يغلب على ظنه ذلك مع كثرته، فإن تردد أو جهل حال الدائن، امتنع عليه السفر وإن قَصُر، إلا بعد صريح الإذن (6) ·"
واستثنى الحنفية ما لو كان مفلسًا، ولا سبيل للوفاء بالدين إلا بالسفر، قال صاحب الفتاوى الهندية:"وإن كان المديون مفلسًا، وهو لا يقدر أن يتمحل لدينه إلا بالخروج في التجارة مع الغزاة في دار الحرب، فلا بأس بأن يخرج ولا يستأمر صاحبه، فإن قال: أخرجُ للقتال، لعلّي أصيب ما أقضي به ديني من النفل أو السهام، لم يعجبني أن يخرج إلا بإذن صاحب الدين، وهذا كله إذا لم يكن النفير عامًا، أما إذا كان النفير عامًا فلا بأس للمديون بأن يخرج، سواء كان عنده وفاء أو لم يكن، أذن له صاحب الدين في ذلك أو منعه عنه" (7) ·
المسألة السابعة
شهادة غير المسلمين على الوصية في السفر:
من أهم الشروط التي يجب توافرها في الشاهد الإسلام، فقد أجمع الفقهاء (1) على عدم قبول شهادة الكافر على المسلم، لأن في الشهادة معنى الولاية، وهو تنفيذ القول على الغير، ولا ولاية لكافر على مسلم لقوله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا (2) ولذا فلا شهادة له عليه
(1) الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيثمي ج 1 ص 232 ·
(2) المجموع ج 8 ص 353 ·
(3) انظر كشاف القناع ج 3 ص 44 وحاشية الدسوقي ج 2 ص 571 ·
(4) الأشباه والنظائر ص 963 ·
(5) الأشباه والنظائر ص 914 ·
(6) الفتاوى الكبرى الفقهية ج 1 ص 232 ·
(7) الفتاوى الهندية ج 2 ص 091 ·
(1) بداية المجتهد لابن رشد ج 2 ص 535 ط دار الكتب الحديثة، القاهرة، وقوانين الأحكام الشرعية، محمد ابن أحمد بن جزيء المالكي ط 1 ص 323، الحاوي للماوردي ج 71 ص 16 ·
(2) سورة النساء الآية 141 ·