لم يكن للمسافر عذر قاهر خارج عن إرادته لأن الغياب بلا عذر مدة طويلة مفسدة، وإمساك للزوجة بلا مصلحة سوى المضارة لها ·
والتقدير بالسنة أقرب للصواب، ولأنه الأجل الذي ضربه عمر رضي الله عنه للمرأة التي طلبت فراق زوجها لعيب جنسي، وذلك بمحضر من الصحابة دون إنكار أحد منهم ·
وإذا كان الفقهاء قد أجابوا الزوجة على طلبها التفريق للإعسار عن النفقة، ولو كان الزوج حاضرًا، فالأولى أن يقولوا بإجابتها على طلب التفريق للسفر والغياب، لأن مفاسد غيابه أشد وأنكى من مفسدة الإعسار، إذ من اليسير تأمين النفقة من أي سبيل ولو من المحسنين، بخلاف قضاء الوطر والشهوة، إذ لا سبيل إليه إلا بالزوج، وكذلك لا فرق بين العاجز عن الوطء لعيب جنسي والغائب عن زوجته، وقد أجمع الفقهاء على الفسخ لنكاح العنين والخصي والمجبوب بعد إنظاره سنة، فيقاس عليه الغائب، إذ العاجز جنسيًا أحسن حالًا من المسافر لحصول المؤانسة به لزوجته بخلاف الغائب المسافر ·
ومما سبق أن رجحناه من إجابة الزوجة على طلب التفريق هو ما أخذت به معظم قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي والإسلامي (1) ·
المسألة الرابعة
سفر الولد بلا إذن من أبويه:
من المعلوم أن بر الوالدين من أعظم القربات، وعقوقهما من أكبر الكبائر، لكن هل من البر استئذانهما في كل عمل أو تصرف؟ أم أن البر بهما خاص بكل ما يعود عليهما بالمنفعة، وبالبعد عن كل ما فيه أذية لهما أو إضرار بهما؟ وهل من ذلك عدم إنشاء سفر إلا بإذنهما والسماح منهما؟ بحث الفقهاء هذه المسألة في أبواب الجهاد والحج، وأشار إليها المحدِّثون هناك، وكذلك في أبواب الإيمان
(1) انظر المادة (901) من قانون الأحوال الشخصية السوري والمواد (21، 31، 41) من قانون الأحوال الشخصية المصري ·