سواه ·
وقد أورد البخاري بابًا في صحيحه عنونه بقوله"باب في الرهن في الحضر"وقول الله عز وجل: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة وأورد فيه حديث رهن درع النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن حجر:"قول البخاري"في الحضر"إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له، لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر، وهو قول الجمهور (4) وهذا هو الراجح لأن الغرض الاستيثاق فلا فرق بين حضر وسفر، فما صح أن يكون وثيقة في السفر يصح أن يكون في الحضر، كالكفالة مثلًا"·
والذي يجب الإشارة إليه هنا، هو عدم جواز السفر بالرهن سواء كان راهنًا أو مرتهنًا، لأن في ذلك تعريضًا له للهلاك، قال النووي: ليس للراهن المسافرة به بحال، وإن قصر سفره، لما فيه من الخطر (5) ، إذ لو تلف الرهن لضاعت فائدته على المرتهن، وإذا لم يجز على الراهن السفر به مع أنه ملكه، فالمرتهن أولى بعدم جواز السفر به، لأنه ليس ملكه، ولهذا يلحق المرتهن بالوديع والوصي في حكم السفر بما في أيديهم من ودائع وأمانات، وسبق حكم ذلك، والله أعلم ·
المسألة السادسة
استئذان المسافر المدين من دائنه قبل السفر:
من المعلوم حرص الإسلام على أداء الحقوق، ووفاء الديون لأصحابها، فقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسراع في ذلك، بأساليب شتى، ولكون السفر مظنة الحوادث والمهالك، نص الفقهاء (1) على أنه ينبغي للحاج أن يقضي دينه قبل شروعه بالسفر، وكذلك المجاهد، فهو أولى لأنه أكثر عرضة للشهادة، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يُغفَر للشهيد كل ذنب إلا الدين) ، وفي رواية لأبي قتادة الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله أرأيت إن قُتلت في سبيل الله، صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، يُكَفِّر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم) فلما أدبر، ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أُمِر به فنودي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف قلتَ؟) فأعاد عليه قوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إلا الدين، كذلك قال جبريل) (2) ·
ومن هذا المنطلق ذكر الفقهاء عدم جواز سفر المدين إلا بإذن دائنه حتى ولو كان السفر واجبًا، وبنوا على ذلك أحكامًا ذات صلة بالسفر، فقد سئل ابن حجر الهيثمي عن مدين مليء سافر بغير إذن
(4) فتح الباري ج 5 ص 041 ·
(5) روضة الطالبين ج 4 ص 18 ·
(1) المجموع للنووي ج 8 ص 353 ·
(2) صحيح مسلم كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين حديث رقم 5881 - 6881 ·