وأجرة حجّام وحلاق وغسل ثوب، وغير ذلك من الأمور المعتادة التي لا ينفك عنها الإنسان، ويُلحق بالسفر البعيد ما كان قريبًا وطالت مدته، كأن أقام لمصلحة المضاربة الشهرين والثلاثة ·
المسألة الخامسة
الرهن والسفر:
بيّن الله في كتابه العزيز وسائل كثيرة لحفظ الحقوق وإثباتها، منها الكتابة والإشهاد، ومنها الرهن، ولعلّ الرهن أقواها وأثبتها للدين، لأن الدائن يستوفي من الرهن بعد بيعه حقه، دون بقية الدائنين في حالة الإفلاس والعجز عن وفائهم جميع حقوقهم ·
والأصل في مشروعية الرهن قوله تعالى: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة (1) ·
والظاهر من هذا النص القرآني أن الرهن مشروط بالسفر، لوجود أداة الشرط وإن كنتم على سفر، أما الحضر فقد سبقت وسائل الإثبات فيه من كتابة وإشهاد، بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ·· الآية، وفيها وأشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ··· (2) الآية، وبظاهر النص قال مجاهد والضحاك (3) ، قال ابن العربي في تفسيره لآية الرهن:"اختلف الناس في هذه الآية على قولين: فمنهم من حملها على ظاهرها، ولم يجوّز الرهن إلا في السفر"، قاله مجاهد (4) ، ونقل الجصاص كراهة الرهن إلا في السفر عن مجاهد (5) ، وحجته أن حكم الرهن لما كان مأخوذًا من الآية، وإنما أباحته الآية في السفر، ولهذا لم يثبت في غيره، وإلى هذا ذهب الظاهرية إذا كان الرهن مشروطًا، قال ابن حزم:"لا يجوز اشتراط الرهن إلا في البيع إلى أجل مسمّى في السفر، أو في السلم إلى أجل مسمّى في السفر خاصة، أو في القرض إلى أجل مسمّى في السفر خاصة، مع عدم الكاتب، لأنه شرط في كتاب الله، وما سواه فهو باطل ورد (1) ، فإن كان غير مشروط فلا بأس به لأنه تطوع من الراهن ·"
وذهب جمهور الفقهاء (2) إلى جواز الرهن في الحضر والسفر، واستدلوا على ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم، حيث رهن درعه عند يهودي على شعير أخذه لأهله (3) ، أما الشرط المذكور في الآية فهو لبيان الحال، حيث الغالب في السفر عدم وجود كاتب أو شاهد، وليس ذلك قيدًا يمتنع به ما
(1) سورة البقرة الآية 382 ·
(2) سورة البقرة الآية 282 ·
(3) تفسير الطبري ج 3 ص 29 وبهامش تفسير النيسابوري ·
(4) أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 062 ·
(5) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 325 ·
(1) المحلى ج 8 ص 78 ·
(2) المغني ج 4 ص 263 والمنتقى للباجي ص 742 ·
(3) البخاري ك/43، ب/41، و ك/84، ب/1، ورواه مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي في سننهم وأحمد في المسند ·