الصفحة 23 من 34

المسألة الثالثة

أثر السفر في ضمان المُودَع:

من الأحكام العامة في الضمان أن من بيده مال لغيره أمانة، سواء وديعة أو وصاية أو ولاية أو مضاربة أو مشاركة، لا يضمن ما تلف منها إلا في حالة التعدي أو التقصير في حفظها، فهل يُعَدُّ السفر بالمال من التعدي على الأمانة، والتقصير في حفظها،، فيضمن ما يتلف منها أم لا؟

ذهبت طائفة من الفقهاء إلى أن المودع والوصي والولي لا يجوز لهم السفر بما عندهم من أموال لغيرهم، وإذا رغب أحدهم السفر لا يمنع منه ولا يُلزم بتأخيره، وعليه أن يرد ما بيده إلى مالكه أو وكيله، فإن لم يستطع، رده إلى الحاكم أو القاضي، فإن لم يستطع دفع المال إلى ثقة أمين ليحفظه إلى حين عودته ·

فإن سافر بالمال ضمنه إن تلف، ما لم يكن هناك عذر قاهر ·

كما لو حدث حريق أو حرب، وجلا أهل البلدة عنها، ولم يتمكن من الرد إلى المالك، وبهذا قال الشافعية (1) والمالكية (2) وحجتهم أن السفر بالمال تعريض له إلى الهلاك والمخاطر، وأيدوا قولهم بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن المسافر وماله لَعلى قَلْتٍ إلا ما وقى الله) (3) أي هلاك ·

وذهب الحنفية (4) والحنابلة (5) إلى أن المودَع ومن في حكمه له السفر بالوديعة، إذا أنشأ سفرًا وكان الطريق آمنًا، والبلد المسَافَر إليه آمنًا، ما لم يَنْهَه المالك عن السفر بها، ولهذا لا ضمان عليه لما تلف منها بسبب السفر، فإن نهاه عن السفر بها، أو كان الطريق مخوفًا، أو البلد المقصود غير آمن، ثم سافر بها، ضمن لتعديه بمخالفة صاحبها، أو لتقصيره في حفظها، وتعريضها للخطر ·

وحجتهم أن الأمر بالحفظ مطلق دون تحديد مكان، فلا يجوز تعيين مكان دون آخر بلا دليل، والحديث ضعيف لا يحتج به ·

لكن اشترط أبو يوسف ومحمد من الحنفية بجواز سفر المودع بالوديعة، ألا يكون لحمل الوديعة مؤنة وكلفة، وذلك دفعًا للضرر عن المالك فيما لو مات المسافر، فيتكلف صاحبها نفقة استردادها (1) ، كما استثنى الحنفية باتفاق السفر بالوديعة بحرًا، وقالوا بضمانه بإجماع (2) ·

والظاهر أن الأمر مرهون بحفظ المال وسلامته حسب غلبة الظن، فالأسفار سابقًا كانت سببًا في العرضة للخطر والهلاك من السراق وقطاع الطرق وغيرهم، أما في الوقت الحاضر فالسفر بذاته ليس كذلك، إلا إن اقترنت به ظروف وملابسات أخرى، تجعل منه خطرًا على ما يحمل المسافر معه من أموال ·

(1) روضة الطالبين ج 6 ص 823 والمهذب ج 1 ص 633 ·

(2) حاشية الدسوقي ج 3 ص 124 والتفريع ج 2 ص 072 وحدود ابن عرفة ج 2 ص 554 ·

(3) قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: ليس هذا خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام السلف، وروى نحوه الديلمي عن أبي هريرة مرفوعًا، ورواه ابن الأثير في النهاية وهو ضعيف - انظر كشف الخفاء ج 1 ص 352 ·

(4) حاشية ابن عابدين ج 5 ص 176 والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 863 ·

(5) المغني ج 6 ص 683 ·

(1) بدائع الصنائع ج 6 ص 902 ·

(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 863 ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت