الصفحة 22 من 34

"ولا يقسم مال المفقود، ولا تتزوج امرأته حتى يتيقن موته، أو يمضي عليه مدة لا يعيش في مثلها، وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه ومحمد بن الحسن، وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف، لأن الأصل حياته، والتقدير لا يصار إليه إلا بتوقيف، ولا توقيف هنا، فوجب التوقف عنه (3) ، وبهذا قال عامة الفقهاء (4) ، ولكن هناك خلاف بينهم في مدى اجتهاد الحاكم بذلك، وعليه وُجِد التفريق بين مفقود فيما غالبه الهلاك كمن فُقِد في معركة أو بَعْد غرق سفينة، ومن فُقِد فيما غالبه السلامة، كمن سافر للتجارة أو الاغتراب ثم انقطع خبره، فقد قال بعض الفقهاء: ينتظر للأول أربع سنين منذ فقد، وينتظر للثاني إلى أن يبلغ التسعين منذ ولد، وهذا أمر اجتهادي يختلف حسب الأزمنة والأمكنة، ففي العصر الحاضر اختلفت وسائل الاتصال وضبطت تحركات الناس وتنقلهم، ولا أعتقد أن القضاء اليوم سيقضي بما ذكره الفقهاء الأقدمون مما هو مبني على الاجتهاد لا النصوص، ولهذا نرجح أن يترك التقدير إلى اجتهاد القاضي حسب الظروف والملابسات لكل قضية على انفراد، وحسب زمانها ومكانها، فإذا حكم القاضي بمدة للتربص، قسمت أموال المفقود على من كان حيًا بعد انقضاء تلك المدة فقط، ولا يرث منها من مات قبل ذلك، خلال فترة التربص ·"

ثالثًا: توريث المفقود من مال مورثه إذا مات خلال مدة فقده:

من شروط الإرث حياة الوارث بعد موت الموروث، والمفقود غير مجزوم بحياته، ليرث من غيره، وكذلك غير مجزوم بموته ليحرم، ويُسقط من بين الورثة، ولهذا اجتهد الفقهاء، فأعطوا الورثة الأضر من حالتي افتراض حياة المفقود، وافتراض موته، ويوقف الباقي إلى أن يتبين حال المفقود من حياة أو موت، أو يحكم عليه بالموت، فإن تبين من أمره شيء عمل بما تبين من إرثه أو عدمه، وهذا محل اتفاق بين عامة الفقهاء (1) ، أما إذا لم يتبين له حياة أو موت خلال مدة الانتظار والتربص، فقولان لأهل العلم:

القول الأول: يعطى المال الموقوف إلى مستحقه على فرض حياة المفقود، لأن الأصل حياته ولم يحكم بموته إلا بعد مدة التربص المقدرة، وقد مات المورِّث قبل ذلك وبهذا قال الحنابلة (2) ، ثم يقسم هذا الموقوف على ورثة المفقود كما يقسم ماله وتركته·

والقول الثاني: يرد الموقوف على ورثة الميت الأول لا على ورثة المفقود لأن المفقود مشكوك في حياته، ولا إرث مع الشك وبهذا قال الحنفية (3) ·

والراجح ألا يرث المفقود من غيره مع غلبة الظن بموته، لأنه في حكم الميت، ولكن لا بينة على موته ·

(1) العذب الفائض ج 2 ص 08 وروضة الطالبين ج 6 ص 53 والمغني ج 6 ص 323 ·

(2) الإنصاف للمرداوي ج 7 ص 833 ·

(3) بدائع الصنائع للكاساني ج 6 ص 691 والفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي ج 5 ص 587 ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت