عقب سفرهم، وبُعدهم عن أوطانهم وأهلهم، والنادر من المفقودين من يفقد وهو بين أهله وفي موطنه، ولكن قد يحدث هذا، كمن تخطفه عصابة مجرمة، ولا يعلم عنه شيء بعد ذلك، وحتى هذه الصورة لا يتم فقده حقيقة إلا بإخراجه من موطنه والسفر به، ولذا فهو مسافر كُرهًا لا اختيارًا ·
ولهذا سنبحث بعض أحكام المفقود على أنه مسافر انقطعت أخباره، مع أن هذه الأحكام مرتبطة بالفَقْد حقيقة لا بالسفر، حيث لم يبحث أحدٌ من أهل العلم في هذه المسألة قضية المسافة والبُعد، وأثرها في الأحكام، ولكن لكون السفر سببًا موصلًا للفقد سنبحث هذه الأحكام، وهي ثلاثة أحكام أساسية وجوهرية:
1 -أثر الفقد في الزوجة ·
2 -تقسيم أموال المفقود على أقاربه الوارثين ·
3 -توريث المفقود من مورثه إذا مات خلال مدة فقده ·
أولًا: أثر الفقد في الزوجة:
سبق أن ذكرنا أقوال الفقهاء في أثر غياب الزوج إذا طلبت الزوجة الفراق منه وفسخ نكاحها، ورجحنا إجابتها على طلبها إذا توافرت شروط ذلك ·
ولا شك أن المفقود أسوأ حالًا من الزوج الغائب المعلوم مكانه والمجزوم بحياته، ولهذا فالحكم السابق يسري على المفقود إذا طلبت الفراق، أما إذا لم تطلب الزوجة الفراق، فستبقى على حكم الزوجية إلى أن يعود، أو يعلم موته، أو يحكم عليه بذلك، فإذا عُلم أو حُكِم بموته اعتدت منه عدة وفاة، وأخذت حصتها من الميراث (1) ·
ثانيًا: تقسيم أموال المفقود:
من المسلّمَات عندنا احترام حق التملك، حيث لا يزول إلا بسبب شرعي، ومن تلك الأسباب انتقال المال إلى الوارث من مورثه، انتقالًا قهريًا ولكن لا يتم ذلك إلا بالتحقق من موت المورث، أما المفقود فهو متردد بين الحياة والموت، والأصل حياته، فيبقى على ما كان عليه حتى يثبت موته، أو يصدر حُكْم من القضاء بموته، بناء على غلبة الظن، لا اليقين، وبهذا قال عامة الفقهاء، قال النووي:"إن قامت بينة على موت المفقود قسم ميراثه"، وإلا فوجهان، أحدهما وهو اختيار أبي منصور وغيره: أنه لا يقسم ماله حتى يتحقق حاله، وأصحهما وبه قطع الأكثرون: أنه إذا مضت مدة، يحكم الحاكم بأن مثله لا يعيش فيها، قسم ماله، وهذه المدة ليست مقدرة عند الجمهور، ويكفي مايغلب على الظن أنه لا يبقى إليه، ولا يشترط القطع بأنه لا يعيش أكثر منها (2) ، وقال ابن قدامة:
(1) نهاية المحتاج ج 7 ص 841 وحاشية الدسوقي ج 2 ص 284 وأعلام الموقعين ج 2 ص 35 وفتح الباري ج 9 ص 134·
(2) روضة الطالبين ج 6 ص 43 ·
(3) المغني ج 6 ص 223 ·
(4) نهاية المحتاج ج 6 ص 82 وحاشية الدسوقي ج 4 ص 434 وحاشية ابن عابدين ج 3 ص 133 والإنصاف ج 7 ص 533 والعذب الفائض ج 2 ص 68 - 88 ·