والبر والآداب، فقد روى مسلم في صحيحه (1) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أقبل رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، ابتغي الأجر من الله، قال: (فهل من والديك أحد حي؟) قال: نعم بل كلاهما، فقال: (فتبتغي الأجر من الله) ، قال: نعم، قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) · قال النووي (2) : وفي هذا حجة لما قاله العلماء، أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين - أي الوالدين- وقيده الخطابي فيما لو كان الجهاد تطوعًا (3) ·
وقد علل بعضهم تحريم الجهاد على الابن إلا بإذن أبويه، فقالوا: لما يشق عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد أُلحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه (4) ·
كما علله بعضهم بالحاجة إلى خدمته، فقد ذكر الحنفية كراهة الحج بلا إذن ممن يجب عليه الاستئذان، قال ابن عابدين: كأحد أبويه المحتاج إلى خدمته (5) ، قال ابن نجيم الحنفي:"ومن أحكام السفر منع الولد إلا برضاء أبويه إلا في الحج إذا استغنيا عنه" (6) ·
وهناك من أطلق الحكم ولم يعلل، كصاحب الفتاوى الهندية قال:"فإذا كره الوالدان أو أحدهما الخروج، لا يباح له الخروج، سواء كان يخاف عليهما الضيعة، بأن كانا معسرين وكانت عليه نفقتهما، أو لا يخاف عليهما الضيعة" (1) · ثم استثنى عامة الفقهاء حج الفريضة والسفر لطلب العلم وللتجارة، قال السيوطي (2) :"ومن أحكام السفر تحريمه على الولد إلا بإذن أبويه، ويستثنى السفر لحج الفريضة ولتعلم علم وللتجارة"، قال أبو عمرو بن الصلاح: وليس في قول من قال من علمائنا:"يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما"، مخالفًا لما ذكرته"من أن البر الطاعة في غير معصية ومخالفة الأمر"، وسئل ابن أبي زيد المالكي، عمن أراد الحج فمنعته والدته، أو أذنت وهي كارهة، فأجاب:"تنبغي مبادرته للفرض، وليتلطف في رضاها، فإن لم ترضَ، فليخرج إن شاء الله"، وفي رواية ابن نافع عن مالك:"يؤخر الحج عامين لإذن الأبوين" (3) ·
وقال ابن قدامة (4) :"وليس للوالد منع ولده من الحج الواجب ولا تحليله من إحرامه"·
وفي الفتاوى الهندية: إن أراد الخروج للتجارة إلى أرض العدو بأمان، فكرها خروجه، فإن كان أميرًا لا يخاف عليه منهم، وكانوا قومًا يوفون بالعهد يُعرفون بذلك، وله في ذلك منفعة، فلا بأس بأن يعصيهما، وإن كان يخرج في تجارة لأرض العدو، ومع عسكر من عساكر المسلمين، فكره ذلك أبواه أو أحدهما، فإن كان ذلك العسكر عظيمًا، لا يخاف عليهم من العدو بأكبر الرأي فلا بأس بأن يخرج وإن كان يُخاف على أهل العسكر من العدو بغالب الرأي لا يخرج (5) ·
ومن الفقهاء من مثل على العاصي بسفره، بالابن إذا سافر بلا إذن، قال الرملي:"ولا يترخص"
(1) صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب بر الوالدين ·
(2) شرح مسلم للنووي ج 61 ص 401 ·
(3) عون المعبود ج 2 ص 423 ·
(4) شرح مسلم للنووي ج 2 ص 78 ·
(5) حاشية ابن عابدين ج 2 ص 654 ·
(6) الأشباه والنظائر ص 961 ·
(1) الفتاوى الهندية ج 2 ص 981 ·
(2) الأشباه والنظائر ص 914 ·
(3) المعيار المعرب ج 1 ص 734 ·
(4) المغني ج 3 ص 335 ·
(5) الفتاوى الهندية ج 2 ص 981 ·