ولبيان حكم هذه المسألة لا بد من الإشارة إلى أن سفر المرأة متنوع، فمنه الواجب ومنه المباح، ومنه ما كان لمصلحتها وحاجتها، ومنه ما كان لمصلحة الزوج وحاجته، ومنه ما كان الزوج مصاحبًا لها، ومنه ما كانت بمفردها ومعزل عنه، ولا أظن أن جميع هذه الصور في الحكم سواء ·
فقد ذهب الحنابلة إلى أنها إن سافرت بإذنه ولحاجته استمرت نفقتها، لأنها سافرت في شغله ومراده، وإن كان سفرها لحاجتها ونفسها سقطت النفقة لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها، إلا أن يكون مسافرًا معها، متمكنًا من استمتاعه بها فلا تسقط، وسواء كان سفرها لحج تطوع أو زيارة أو تجارة، وإن أحرمت بحج الفريضة أو العمرة في الوقت الواجب من الميقات لا قبله، لم تسقط نفقتها لأنها فعلت الواجب عليها بأصل الشرع في وقته، كما لو صامت رمضان، قال ابن قدامة:"ويحتمل ألا تسقط نفقتها إن سافرت بإذن ولو لم يكن معها" (1) ، وعند الشافعية القولان، ذكرهما الشيرازي في المهذب (2) ، ورجح النووي سقوطها، فقال:"فإن سافرت بإذنه، فإن كانت معه، أو وحدها في حاجته وجبت نفقتها، فإن كانت وحدها لحاجتها فلا نفقة على الأظهر" (3) ·
واستثنى المالكية من سفرها بغير إذن سفرها لحج الفريضة، فقالوا بوجوب النفقة وإن سافرت بغير إذن لحج الفريضة (1) ، وهذا خلاف لما ذهب إليه الشافعية القائلون بسقوطها، معللين بأنها منعت حق الزوج وهو على الفور، ورجحته على ما هو واجب على التراخي، وعمم الحنفية سقوط النفقة بكل سفر ولو كان واجبًا أو كان بإذن من الزوج ما لم يكن معها، فإن صحبها وجبت لها نفقة حضر لا سفر (2) ·
أما المالكية فقالوا بوجوب النفقة في كل سفر ما دامت مسأذنة به (3) ·
والباحث في أسباب النفقة عند الفقهاء يجد نفسه ملزمًا بترجيح سقوط النفقة عند سفرها لحاجتها ولو بإذن زوجها، والذي يظهر أن هذه الأقوال والآراء لا حاجة إليها في العصر الحاضر إلا في حال النزاع والخلاف بين الزوجين، وإلا فالظاهر أن الزوج يدفع لها نفقتها في حال سفرها المأذون به، ولا فرق عنده بين وجودها في بيت الزوجية أو في بيت أبويها ·
ثانيًا: أثر سفر الزوج في وجوب النفقة للزوجة أو سقوطها عنه:
اتفق الفقهاء على أن لا أثر لسفر الزوج بمفرده في سقوط النفقة عنه لزوجته، إلا أن يرغب في سفرها معه ثم تمتنع منه فيحكم بنشوزها فتسقط النفقة بسبب ذلك النشوز ·
قال ابن قدامة:"وإن غاب الزوج بعد تمكينها ووجوب نفقتها عليه لم تسقط عنه، بل تجب عليه زمن غيبته" (4) ، وبهذا قال الشافعية، ولكن اشترطوا بقاءها على الطاعة دون نشوز، قال النووي:"ولا تؤثر غيبة الزوج بعد التسليم مادامت مقيمة على الطاعة وإن طالت المدة (5) ، كما اشترط"
(1) المغني ج 7 ص 406 ·
(2) المهذب ج 2 ص 161 ·
(3) روضة الطالبين ج 9 ص 06 ·
(1) حاشية الدسوقي ج 2 ص 714 ·
(2) حاشية ابن عابدين ج 3 ص 975 ·
(3) التفريع لابن الجلاب ج 2 ص 45 ·
(4) المغني ج 7 ص 206 ·
(5) روضة الطالبين ج 9 ص 85 ·