وعلى وجه اليقين التام ليس ثمة عقيدة تصدق بها النفوس، وتطمئن لها القلوب، وتزكي الروح والجسد، وتبني الدنيا والآخرة، وتجيب عن كل التساؤلات عن الله تعالى، وما يجب له وما يمتنع عليه، وعن الحياة والكون وما فيها، والموقف من ذلك كله، وعن المصير، سوى هذه العقيدة الإسلامية الصحيحة التي كان عليها سلف هذه الأمة، كما قال تعالى على لسان رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 161) ، وكما قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162) ، إن هذه العقيدة هي التي سلمت من التحريف والتغيير والتبديل، وهي التي تشبع حاجات الروح والجسد معًا، وهي التي تلبي نداء الفطرة، كما أكد الشرع الحنيف أن كل إنسان فطر مسلمًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه كان يحدث قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) . ثم يقول أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30) ، (1) ، ثم عقب علماؤنا على هذا الحديث العظم ببيان يؤكد هذا المعنى، فقال النووى ـ رحمه الله تعالى ـ: (يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) يجعلانه يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا حسب ملتهما بترغيبهما له في ذلك أو بتبعيته لهما، (تنتج البهيمة) تلد الدابة العجماء، (بهيمة جمعاء) تامة الأعضاء مستوية
(1) صحيح البخاري: 1/ 456 (1292)