فالشارع الحكيم تولى الإشراف في هذه الأمور في دائرة ما علم أنه لا يترتب على صل فعله أو تركه نفع أو ضرر، بخلاف القانون الذي يكاد أن يكون أطلق العنان لهم في ذلك.
أما فيما بين نظرة القانون الجنائي ونظرة الفقه الإسلامي لمفهوم الإباحة فإن نظرة كل منهما للإباحة الأصلية لا تكاد تختلف عن النظرة الأخرى من جهة ما يتجه كل منهما إليه من تخيير الناس بين الفعل والترك، وعدم ترتب ثواب ولا عقاب على ذلك.
إلا أن القانون الجنائي يعتبر كل ما لم ينص على منعه وتجريمه فهو مباح، أما الفقه الإسلامي فإن الفعل المباح: ما دل الدليل الشرعي على التخيير فيه أو حكم به الحاكم العادل في حدود قواعد الشرع ومسايرة مصالح الناس.
أما المسكوت عنه فهو مباح أيضا بالإباحة الأصلية، خلافا للمعتزلة الذين يرون في الأفعال حسنا وقبحا يدرك بالعقل وتجب مراعاته ولو لم ينص عليه الشارع، إذ حكم الشرع إنما جاء مؤيدا لحكم العقل، على أن المسكوت عنه الذي يرد نص بمنعه وتجريمه قد يكون مأمورا به لورود الخطاب بذلك، فيثاب المرء على فعله أي لا يقف عند العقاب وعدمه فقط وإنما يتجه ناحية الأجر والثواب وفي هذا تشجيع على الامتثال والطاعة.
وأما الإباحة الطارئة في نظر الفقه الجنائي فهي أشبه بالإباحة بالإطلاق الثاني الذي ذكره الشوكاني من الأصوليين فإنك لا تستعمل إلا في الفعل الذي كان في ذاته غير مباح ثم عرض له ما يجعله مباحا، وقد مثل له الشوكاني بإباحة دم المرتد، وقد مثل له غيره أيضا بافتداء المرأة من زوجها إن خافا ألا يقيما حدود الله. ففي الشريعة الإسلامية أن الفعل في ذاته قد يكون غير مباح ثم يعرض له ما يجعله مباحا كالمجنى عليه إذا كان غير معصوم الدم فالقتل أمر محرم في الشرع في كل اعتبار، ولكن إذا وقع من شخص ما يقتصد إباحة دمه كالمرتد عن الإسلام فإنه يكون مباح الدم بالإباحة الطارئة، ويصير الفعل بعد أن كان جريمة أمرا مباحا. سبب إباحة ما طرأ مما جعل الشخص غير محقون الدم.
ومن جهة أخرى فإن الإباحة الطارئة في اصطلاح شراح القانون الجنائي تشبه من بعض الوجوه ما أورده الأصوليون والفقهاء من الترخيص بأشياء أصلها كان محظورا ثم رفع الضرر لموجب اقتضى ذلك، سواء رفع ذلك الحظر إلى ما يسمى في عرفهم إباحة، أو