وقد جاء في تعريف للأستاذ مصطفى الزرقا بأنها الإذن باستهلاك الشيء باستعماله وهي لا تجعله مملوكا بل هي دون التمليك وقد يكون هذا الإذن من الشارع، ويكون في الاستيلاء على المال المباح وهو كل ما خلفه الله لينتفه به الناس على وجه معتاد وليس في حيازة احد مع إمكان حيازة مما يكون في مجرد الانتفاع كالإذن في الانتفاع بالمساجد والطرقات بما شرعت له.
وكما يكون الإذن من الله فإنه قد يكون الإذن من الأفراد بعضهم مع بعض سواء أكان الإذن بالعين لرقبتها كمن ينثر النقود في الأفراح ويقدم الطعام والشراب للأضياف، وهذا النوع يرى البعض أنه على ملك صاحبه حتى يتناوله المباح له فيمتلكه بالتناول وذهب آخرون إلى أن المباح له، لا يمتلك المال بتناوله، وإنما يبقى على ملك صاحبه حتى يستهلكه المباح له وهو على ملك صاحبه بإذن منه على ما سنبينه في موضعه من البحث.
أو كان إذن العباد بعضهم لبعض بمنفعة العين فقط كمن يدعوك لركوب سيارته أو السماع من مذياعه، أو مشاهدة مسرحية عنده أو التفرج بصور في معرضه إلى غير ذلك من صور إباحة المنافع، وهذا النوع يتم استحقاقه واستيفاؤه بمجرد الانتفاع لأن المنافع تستهلك وتنقذي وتزول ساعة فساعة.
بقي أن نشير هنا إلى الإباحة ليست من قبيل التعاقد، فهي لا تحتاج إلى الإيجاب والقبول وإنما توجد بمجرد وجود الإذن القولي أو العملي كما أنه لا يشترط فيها أن يكون المأذون له معينا معلوما للآذن وقت الإذن لا بشخصه ولا باسمه، فمن يضع الماء في الأباريق ويضعها على قارعة الطريق، فإنه يبيح بذلك لكل من يمر أن يشرب منها دون تعيين للمأذون لهم لا بالإسم ولا بالوصف، وكذلك فإن الإباحة جائزة كما يقول ابن حزم الظاهري في المجهول بخلاف العطية، والهدية، والصدقة والعمرى والرقبى والحبس وغيره، وذلك كطعام يدعى إليه قوم يباح لهم أكله ولا يدرى كم يأكل كل منهم، وهذا منصوص من عهد الرسول (ص) فقد قال: من شاء أن يقتطع إذا نحر الهدي، كما أمر المرسل بالهدي إذا عطب أن ينحره ويخلى بينه وبين الناس.