وهذه الذرائع إنما تتعلق بالقول والعمل؛ فأوجب الإسلام على المسلم أن يريد بكل قول وعمل وجه الله والإخلاص فيه، وترك الرياء، وسمي الرياء بالشرك الأصغر؛ وذلك ليجتنب الناس حب المحمدة الباطلة؛ فإن حب المحمدة قائد إلى الاستعباد الاختياري، ومانع للحرية؛ لأن الافتتان بحب المحمدة يُحَتِّم على صاحبه الخوف من الانتقاد، وغضب الجمهور من الذين لا يفقهون مصلحة من غيرها، ولا يميزون بين الحق والباطل، فإذا َحِمدوا ومجَّدوا أحدًا حسبوا فعلهم مزية أنالوها إياه؛ فأصبحوا يمنُّون عليه، ويترقبون منه أن يطيعهم في قضاء ما يشتهون مما يظنونه مصلحة.
والفرض أنهم لا يفقهون؛ فإذا كان ناصحًا أمينًا لم يستفزه ذلك إذا علم أن فيه لهم سيئَ العواقب، ولم يغترَّ منهم بتلك الظواهر الكواذب، ولم يَرُقْه السير في عراض المواكب (1) .
وقد حكى الله _ تعالى _ من مواقف الرسل والناصحين من ذلك كثيرًا: فحكى عن موسى _ عليه السلام _: [قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) ] (الأعراف) .
فأما إذا فتنته تلك الظواهر الخلاَّبة، فانتفخ عُجْبًا، وخشي انحرافًا منهم وسلبًا خَصَّ في إدراك الحقيقة، وخادعهم، وواربهم أضاع مصالحهم، وغلب سفههم على رشده، قال _ تعالى _: [وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] (الأنعام:152) ، وقال: [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا] (آل عمران:146) .
وقد سقط في هذه المهواة كثير من زعماء الأمم.
(1) هذا تضمين لقول الشاعر في الشاهد النحوي:
فأما القتال لا قتال لديكم ولكن سيرًا في عراض المواكب (م)