وسدَّ ذرائعَ قتل الحرية بالقوة المالية؛ إذ قد يعرض الاستعباد من الحاجة إلى المال، وفي الحديث: =تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض+.
فلذا أبطل الإسلام الربا؛ لأنه طريق واسع لاستبعاد المضطرين، وأبطل عقود الإكراه، وأبطل معظم الشروط التي تشترط على العامل في القراض، والإجارة، والمغارسة، والمساقاة، والمزارعة، وقد أمكن أن تُستخرج قاعدةٌ شرعية لهذه المسائل الممنوعة وهي منع أن يفترص (1) الغني احتياج الفقير إليه، فَيُعْنِتَه لأجل ذلك.
وذرائع فساد حرية القول تكون فيها تقدم، وتكون في حرية العلم بأن نحمل العلماء على تحريف الحقائق؛ لأجل المحمدة الكاذبة، أو لأجل الحصول على مال قليل.
وقد نعى الله ذلك على علماء بني إسرائيل فقال: [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا] البقرة: 79.
وقال _ تعالى _: [فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا] المائدة: 44.
وكان ذلك كله في إرضائهم عامتهم، وحملهم الشريعة على ما يوافق هوى العامة كما أوضحته الآثار وأئمة التفسير.
وتكون _ أيضًا _ في حرية القضاء؛ فلذلك حرَّم الإسلام الرشوة، وأوجب إجراء أرزاق الحكام وكفايتهم من بيت مال المسلمين بحسب الزمان والمكان.
قال ابن العربي في تفسير قوله _ تعالى _: [قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ] البقرة: 247: =ليس من شرط الخليفة ولا القاضي أن يكون غنيًَّا، ولكنه في حكم الإسلام لا يكون إلا غنيًَّا؛ لأنه يأخذ ما يكفيه من بيت المال؛ فغناه فيه+.
تحصيل:
(1) يعني يغتنم الفرصة (م) .